يأت الكتاب بنتيجة أيضا، فاحتد جمال الدين، وكان حديد المزاج، حتى قال فيه الشيخ
محمد عبده: «وطالما هدمت الحدة ما بنته الفطنة»، واستأذن السيد على السلطان
فأذن له، فدخل عليه ووقف أمامه منتصبا على رجليه وقد بدت عليه آثار الانفعال،
وقال بصوت متهدج: أمير المؤمنين كسر قلبي، أمير المؤمنين كسر قلبي.
فلاطفه السلطان وهدأ خاطره، وسأله عن الأمر الذي أزعج باله، فلما أخبره
به قال: إن هذا أمر طفيف ما كان ينبغي أن تغتاظ من أجله إلى هذا الحد، ثم أمر بالرتبة
وزيادة الراتب للمصري حسب طلب السيد، ولما خرج جمال الدين من هذه المقابلة ناوله
الحاجب كيسا فيه خمسمائة ليرة عثمانية ذهبا. وقد ذكر هذه الحادثة بعض من
ترجم للسيد جمال الدين وقال: إن السلطان لما رأى انفعال جمال الدين وسأله عن سببه،
أجابه السيد قائلا: «إنما أتيتك لأستميح جلالتك أن تقيلني من بيعتي لك؛ لأني رجعت
عنها»، وقد استبعد محدثي بالحديث هذه الرواية كل البعد، وأن يكون جمال الدين ممن
تبلغ به الحدة إلى هذا الحد، وإنما الخبر الحق ما قاله القنواتي باشا الذي ربما كان
سمعه من لفظ عزت باشا العابد في الآستانة، وكان لا يفارق مجلسه، كما كان عزت باشا لا
يفارق مجلس السلطان.
ولما كان السيد في روسية أحب القيصر أن يراه، فاستدعاه إليه، فكان مما سأله عنه
كرهه لشاه إيران، والسبب في هذا الشقاق الناشب بينهما، وقياصرة الروسية وحكوماتها
يهمهم جدا أن يعرفوا أسرار سياسة إيران وخفايا أحوالها الداخلية، فشرح السيد للقيصر
بسذاجة الطفل سوء حالة إيران، وخرق ملكها واستبداده برعيته، وأنه نصح له بأن يدخل
الأنظمة الدستورية، والتراتيب الشوروية إلى مملكته، فأبى الشاه عليه ذلك، وامتعض من
جمال الدين، وعمل على إخراجه من بلاده، قال: وهذا هو سبب الشقاق.
ولما سمع القيصر هذا من جمال الدين تمعر وجهه وكلح، وقال له: الحق مع الشاه،
وأي ملك يرضى أن يتحكم فلاحو مملكته في ملكه؟ فسكت السيد، وكان لا يعدم جوابا
على ما قاله القيصر لو فسح له المجال؛ لأن القيصر أعرض عنه وتقدم إلى شحنة
مملكته بأن يعملوا على إخراج جمال الدين من بلاده من فورهم.
وحدثني صديق آخر من أعيان دمشق بلطيفة من لطائف السيد الأفغاني مع جواسيس السلطان
قال: إن سيادة شريف مكة غضب على أحد المكيين المقيمين في الآستانة، وخشي هذا المكي
على نفسه من تعقب الشريف له، فالتجأ إلى منزل السيد جمال الدين معتصما به،
فطمأنه السيد وهدأ روعه؛ غير أن اعتصامه هذا خلق للجواسيس شغلا يستغلونه ويشتغلون
به، فجعلوا يطوفون بمنزل السيد ويراقبون اللاجئ المذعور، فكان السيد يرق له ويصحبه
في عربته أحيانا إلى مفترج «الكاغدخانة» الذي ذكرنا أنه كان يلم بها للنزهة.
فقيل له يوما: أبعد عنك هذا الرجل (يعنون المكي اللاجئ إليه)، وأرح نفسك من
مضايقة الجواسيس لك بسببه، فأجابهم متعجبا: ما لي وللجواسيس! هؤلاء سفراء الدول إذا
لجأ إليهم لاجئ حموه من كل أحد حتى من هؤلاء الجواسيس، وأنا «سفير الله» في هذا
البلد، أفلا ينبغي أن يطرد هؤلاء الجواسيس عني كما طردوا عن سفراء
البشر؟!
وسأل بعض المتحذلقين من طلاب العلوم الدينية السيد الأفغاني عن الإيمان: هل يزيد
وينقص أو لا؟ فقال: «أما الإيمان في القرى فلا يزيد ولا ينقص، وأما في العاصمة
فيزيد وينقص في كل ساعة، كإيمان السلطان عبد الحميد الذي يحيط به هؤلاء الجواسيس.» وكأن
السيد في مقاله هذا يريد أن يقول: إن حالة السلطان الروحية تبقى مضطربة غير مستقرة على
حال ما دام هؤلاء الجواسيس حوله يخبرونه بما يقوي ثقته تارة ويضعفها تارة أخرى، فإذا
صدقهم نقص إيمانه، وإذا لم يصدقهم زاد.
ومن أمتع ما روي من لطائف السيد الأفغاني وهو في مصر، أنه كان واقفا في
ناحية من ميدان باب الخلق مع طائفة من أصدقائه ينتظرون مرور جنازة لأحد أمراء العائلة