معنى يوجب عليهم أن لا يتحركوا إلى طلب مجد أو تخلص من ذل، ومثل فهمهم لبعض
الأحاديث الشريفة الدالة على فساد آخر الزمان أو قرب انتهائه فهما يثبط هممهم عن
السعي وراء الإصلاح والنجاح في نظير ذلك مما لا عهد للسلف الصالح به، فلا بد إذن من
بعث القرآن وبث تعاليمه الصحيحة بين الجمهور، وشرحها لهم على وجهها الثابت، من حيث
يأخذ بهم إلى ما فيه سعادتهم دنيا وآخرة.
قال: ولا بد أيضا من تهذيب علومنا، وتنقيح مكتبتنا، ووضع مصنفات فيها قريبة
المأخذ سهلة الفهم، فنستعين بتلك الكتب والعلوم التي تضمنتها على الوصول إلى الرقي
والنجاح، ومن الخطأ أن نجعل هذه العلوم مقصودة لذاتها، كعلم النحو والبلاغة مثلا، وهي
إنما وضعت لتكون وسائل لغيرها، فالطالب ينفق معظم سني حياته في الاشتغال بالنحو
والبلاغة وحفظ مسائلهما، ثم نراه بعد هذا كله لا يقدر على إنشاء مقالة يعبر بها
عما يقوم في نفسه من الأفكار والآراء. وهنا أفاض السيد في نقد طريقة اشتغالنا في العلوم
الموروثة والإطالة فيها على غير طائل، حتى اهتدى الأجانب عنا إلى لباب تلك العلوم،
وترتيب فصولها وأبحاثها، ثم استعانوا بها على تقويم اعوجاجهم ولم شعثهم، وتركونا
وراءهم نتخبط في مهامه الحيرة وفيافي الجهالة، ونحن في غفلة عنهم، غير ميالين بما
تجره غفلتنا علينا من الضعف وفقد العزة القومية، فلا بد إذن من «الحركة الدينية». ا.ه ما قاله السيد الأفغاني في تفسير معنى حركته الدينية أو الإصلاح الديني، وروح هذا
الإصلاح الرجوع إلى القرآن وحده كما قال أولا، ثم فهمه فهما صحيحا حرا، وذلك
يكون بتهذيب علومنا الموصلة إليه، وتمهيد الطريق إليها، وتقريبها من أذهان متناوليها من
أبنائنا وطلاب العلوم فينا.
6
ومن ملح أخبار السيد الأفغاني بعد جيئته الثانية إلى الآستانة أن سمو خديوي مصر
عباس حلمي كان فيها، فمر يوما وهو يتنزه بالكاغدخانة، وهي أشهر مفترجات الآستانة
ومتنزهاتها، فقيل له: هذا السيد جمال الدين الأفغاني في المتنزه، وحوله أصدقاؤه وخلص
إخوانه. وكان الخديوي يحب أن يرى الأفغاني ويجتمع به، غير أن اجتماع مثليهما لعهد عبد
الحميد كان من الصعوبة بمكان، فاكتفى الخديوي برفع يده مشيرا بالسلام إلى السيد جمال
الدين ومن حوله، فوقفوا له وحيوه من بعد، واستمر الخديوي آخذا طريقه، فلم
يلبث الجواسيس أن رفعوا تقاريرهم إلى السلطان يصفون فيها ما يتوقع من الضرر للملة
في هذه المقابلة بين الخديوي والأفغاني، ولم يقفوا عند حدود الحق والواقع، بل تخطوها
- كما هي شنشنتهم - إلى القول بأن الخديوي خلا بالسيد الأفغاني ثم (أي في
الكاغدخانة)، وتحادثا طويلا في شئون الخلافة، وما يجب أن يكون مستقبلها، إلى غير ذلك
من الأكاذيب.
فلم يكن بأسرع من أن استدعى السلطان السيد جمال الدين إلى قصره، وأطلعه على
تلك التقارير، فقرأها السيد وتبسم، وقال له بأنه لم يجتمع بالخديوي ولا كلمه،
وإنما أشار إليه الخديوي وإلى من حوله وهو في عربته بالسلام. ثم قال السيد للسلطان:
إن نبينا
صلى الله عليه وسلم
كان له من صحابته جماعة يخبرونه بما ينبغي أن يعرفه من أخبار
الناس، وما يجري بينهم من شئون وحوادث، لكنه
صلى الله عليه وسلم
ما كان ليأتمن على هذا العمل إلا
من توفرت فيه الخلال الحسنة؛ كالصدق والإخلاص وسلامة الوجدان وحسن القصد، لا أمثال
جواسيسك الذين حولك، فضحك السلطان ووافقه على ما قال، ومزق التقرير بين
يديه.
وكان للسيد جمال الدين جرأة ودالة على السلطان لم تعهد لغيره. وحدثني صديق صادق
من أدباء دمشق أنه سمع من المرحوم «مصطفى باشا القنواتي» أنه كان للسيد جمال الدين
صديق يعز عليه من المصريين، فالتمس السيد من السلطان رتبة وزيادة في الراتب لهذا
الصديق، فوعده السلطان بذلك، ومضت أيام على هذا الوعد، فكتب إليه يستنجزه وعده، فلم