لذمتي من قلة الوفاء.
والكلام على جمال الدين وتقصي أخباره له عدة شعب، وسأقتصر في معظم ما أدونه
عنه على ما عرفته من أمره بنفسي، أو سمعته من الرواة بأذني. أما
التوسع في نقل عامة أخباره فهذا إنما يكون في كتاب ضخم، لا في رسالة تؤلف من عبارات
معدودة، وتقرأ في دقائق محدودة.
2
أول ما فوجئت باسم جمال الدين كنت تلميذا في المدرسة السلطانية التي أمر بإنشائها
في بيروت الوالي حمدي باشا سنة 1300ه/1882م، وكان ناظر المدرسة يومئذ الشيخ أحمد
عباس الأزهري، المشهور في بلاد الشام بعلمه وفضله والتهاب وطنيته.
رأيت يوما الشيخ أحمد بين الطلاب وهم في ساحة المدرسة يرتعون ويلعبون، وحوله طائفة
منهم وبيده جريدة يشير بها إليهم. وسمعته يقول لهم - وقد سألوه عنها - إنها «العروة
الوثقى»، يصدرها السيد جمال الدين الأفغاني، ويساعده في تحريرها صديقي الشيخ محمد عبده
المصري. وأفاض الشيخ أحمد في وصف «العروة» والغرض من إنشائها، ووصف الرجلين وعلو
مكانتهما. وبدرت منه التفاتة وإذا تلميذان صغيران يمران أمامه، فأشار إلى أحدهما
وقال: هذا ابن
1
الشيخ محمد عبده، وأشار إلى الآخر قائلا: وهذا أخوه حمودة.
وكنت لا آبه بهذين التلميذين، ولا أرتاح لرؤيتهما، فصرت من يومئذ أنظر إليهما
بإجلال، وأحب التقرب منهما والحديث إليهما. ورجعت إلى طرابلس الشام من المدرسة
السلطانية عام 1301ه حاملا إلى صديقي الشيخ رضا - صاحب المنار رحمه الله - خبر «العروة
الوثقى» ومنشئيها، وأخذت أبحث معه عن أعدادها، وكانت ثمانية عشر عددا مبعثرة لدى
بعض فضلاء طرابلس الذين كانت تأتيهم عفوا أو بطلب منهم، فجعلت ألتقطها من عندهم
لأنسخها وأعيدها إليهم. وكان شريكي في هذا الحرص الشيخ رشيد، وكان هو ينسخ
المهم من مقالاتها، أما أنا فكنت أنسخها بقلمي من ألفها إلى يائها، ثم
جمعت كراريسها في مجلد
2
بلغت صفحاته خمسمائة صفحة ما زال عندي إلى اليوم، وهذه صورة ما كان
مكتوبا على رأس كل عدد منها:
العروة الوثقى
لا انفصام لها
جريدة سياسية أدبية تصدر يوم الخميس
مدير السياسة
المحرر الأول
جمال الدين الحسيني الأفغاني
الشيخ محمد عبده
ترسل الجريدة إلى جميع الجهات الشرقية.
من شاء أن يبعث إلينا بتحارير أو رسائل في أي
موضوع كان، رغبة نشره في الجريدة أو التنبيه على أمر مهم،
فليرسلها إلى إدارة الجريدة بهذا العنوان:
6 Rue Martel à Paris .
قد عينت أجرة البريد خمسة فرنكات في السنة لمن تسمح بها
نفسه.
وهذه صورة ما كتب في فاتحة العدد الأول:
العدد الأول من
العروة الوثقى
لا انفصام لها
يوم الخميس في 15 جمادى الأولى سنة 1301
بسم الله الرحمن الرحيم
ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. هذا ما تمده العناية الإلهية من
قول الحق متعلقا بأحوال الشرق، وعلى الله المتكل في نجاح العمل. خفيت مذاهب
الطامعين أزمانا ثم ظهرت، بدأت على طرق ربما لا تنكرها الأنفس ثم التوت. أوغل الأقوياء من الأمم في سيرهم بالضعفاء حتى تجاوزوا بيداء الفكر ... إلخ.
وهذه الفاتحة هي خلاصة برنامج الغرض الذي أنشئت مجلة «العروة الوثقى» من أجله:
تنبيه الضعفاء إلى ما يريده الأقوياء بهم، وشرح الأسباب التي أدت إلى ضعف الضعفاء
وقوة الأقوياء. ويريد بالأقوياء سياسيي أوروبا وزملاءهم سياسيي الشرق الذين ساروا
على آثارهم وقلدوهم في استبدادهم بالضعفاء والتفريط في مصالحهم.
فالأفغاني وعبده كانا يريدان أن يكون لهؤلاء الضعفاء - وهم المسلمون - دولة قوية آخذة
بأسباب المدنية والعمران، الموصلة إلى العزة والاستقلال، مع مراعاة تعاليم الإسلام
الأساسية. •••
هذه الفكرة التي تلقنتها من العروة الوثقى اختمرت في نفسي واستولى سلطانها
على شعوري وحسي، فأعطيت «العروة» كل وقتي دراسة وتفهما، وكنت أحيانا أعنى
بشرح ألفاظها وتعابيرها. مثال ذلك قولي تعليقا على قول العروة «وبلغ صوت وقوقة