تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عدوتها «الكاثوليكية»، فجعل كل فريق يرقب الفريق الآخر ويرصد أعماله ويحصي عليه

حركاته وسكناته، مخافة أن يسبقه إلى القوة والعزة والغلبة والارتقاء في معارج المدنية،

فكان كل منهما يسعى ويجد ويبذل مبلغ طاقته في استجماع وسائل الرقي والتفوق على

نده ومناظره، ومن هذه المنافسة بين الفريقين تولدت المدنية الحديثة التي نراها

ونعجب بها. أقول: هذا رأي شيخنا الأفغاني في أن المدنية الأوروبية إنما هي وليدة

المنافسة بين الكثلكة والإصلاح البروتستانتي، وكان ظهور الإصلاح على يد عميده

المبشر به «لوثيروس» سنة 1519م، وبعده بنحو خمسين سنة حدثت ملحمة «برثلماوس» في

باريس، فكانت منشطة لما بدأ به «لوثيروس»، وأقنعت الرأي العام الأوروبي بلزوم

الإصلاح واعتناقه، وهناك عوامل أخرى ذات بال سبقت الإصلاح ومهدت الطريق إليه،

وهي: (1)

الطباعة، وكان ظهورها سنة 1450م، وجعلها بعضهم أهم العوامل حتى قال: إن

الطباعة قلبت وجه الأرض وغيرت أحوال من عليها. (2)

فتح القسطنطينية (سنة 1453م) من قبل الأتراك العثمانيين، وهجرة

المثقفين من أبنائها البيزنطيين، وانتشارهم في أوروبا وخاصة إيطاليا؛ حيث

ظهرت النهضة التي يعبرون عنها باسم

Renaissance . (3)

اكتشاف رأس الرجاء الصالح سنة 1486م، وبذلك اتصل الغرب بالشرق،

وتهيأت للظهور نهضة اقتصادية عالية. (4)

اكتشاف أمريكا من قبل «كريستوف كولومب» عام 1492م.

فالعوامل الخمسة بما فيها الإصلاح البروتستانتي هي المؤثر المباشر في ظهور مدنية

أوروبا، وقد وقعت هذه العوامل خلال سبعين سنة 1450-1520م، يعني أن قلق

الأوروبيين وعدم رضائهم عن حالتهم التي كانوا عليها، ووثوبهم لالتماس أسباب الرقي

والمدنية، كل ذلك كان في القرن الخامس عشر، أي بعد انتهاء الحروب الصليبية بنحو مائتي

سنة، فهل يعقل ألا يكون لهذه الحروب علاقة بنشوء تلك العوامل الخمسة. لا جرم أن

مخالطة الأوروبيين للمسلمين في عقر دارهم «سورية» أكثر من قرن ونصف، عدا مخالطتهم لهم

في الأندلس مئات من السنين، هذا كله نبههم إلى سوء حالتهم؛ فهبوا إلى تغييرها بمختلف

الوسائل التي منها العوامل الخمسة.

إن الله لا يغير ما

بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (قرآن كريم). وشيخنا

الأفغاني كان همه الملح أن يغير المسلمون ما بأنفسهم من رثاثة تقاليد وغثاثة

أخلاق بالرجوع إلى القرآن وتعاليمه، وجعله (أي جعل القرآن) روحا للحركة الدينية التي

دعا المسلمين إليها، وجعل معوله في تقدمهم ورقيهم عليها.

ثم رأيت أن أستزيد شيخنا الأفغاني تحديثا عن الحركة الدينية التي ذهب إلى أن

نهوض الأمة الإسلامية متوقف عليها، فقلت له: إن ما قلته أيها السيد عن الحركة

الدينية الأوروبية، وما كان من حاجة أهلها إليها لا يهمنا بقدر ما يهمنا أن نعرف

نحن معشر المسلمين ما إذا كان مثل هذه الحركة مما نحتاج إليه في نهضتنا وإصلاح ما

تشعث من أحوالنا؛ إذ إن هناك فرقا بيننا وبين الفريقين من حيث الحاجة إليها. إن سوء

الحالة الروحية في قارة أوروبا وضغط التقاليد عليهم، وأخذ رجالها بأكظامهم، كل ذلك ساق

«لوثيروس» إلى الصخب، وإثارة الشغب، ورفع الصوت بالدعوة إلى الإصلاح الديني الذي

ترجمت عنه أنت بالحركة الدينية.

أما المسلمون فدينهم ما في القرآن، وهو محفوظ من التغيير والتبديل، وليس من شأنه أن

يضغط على نفوسنا ولا أن يعطل حريتنا، وهو جدير بأن يكون سببا لسعادتنا وجمع كلمتنا

في هذه الأزمنة الحاضرة، كما كان سببا لسعادة أسلافنا وجمع كلمتهم الغابرة. ومن ثم

لم أفهم معنى الحاجة إلى «الحركة الدينية» التي تدعو إليها، فأجاب: إن حركتنا الدينية

هي كناية عن الاهتمام بقلع ما رسخ في عقول العوام ومعظم الخواص من فهم بعض

العقائد الدينية والنصوص الشرعية على غير وجهها، مثل حملهم نصوص القضاء والقدر على

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديث · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديثص ٢٨