بنبرة حادة قائلا: «كفى الشرق شرفا أن قام منه رجل ما زالت تعبده أمم أوروبا إلى
اليوم»، وقد عنى بالرجل السيد المسيح.
وكان السيد جمال الدين - رحمه الله - يزيدنا على ما تقدم كثيرا من وقائعه
وشئوناته الخاصة، ومن تاريخ الأفغان وطباع أهلها، ولما تساءلنا في المجلس السابق عن
كلمة «الحضجر» التي وصف بها الإنكليز قلت له: لعل بلاد البلوجستان الواقعة في جنوب
الأفغان سلمت من ابتلاع الحضجر لها، فضحك وقال: تكاد أن تسلم، ثم سألناه عن
تلك البلاد وعما إذا كانت جزءا طبيعيا من بلاد الأفغان، وإننا لنراها مخططة في
المصورات الجغرافية ولكنا لا نسمع لها ذكرا، ولا في مداولات العالم السياسي
ركزا، حتى كأنها خرجت من الدنيا وهي فيها؟ فأجاب السيد: «إن البلوجستان بلاد قاحلة
وسهوب مرملة، وإن أهلها في حالة بداوة وخشونة زائدة، وهذا ما ساعدها على الاحتفاظ
باستقلالها في الجملة، اللهم إلا بعض مناطق منها تابعة لبلاد الأفغان، وبعضها الآخر
خاضع لإيران، وللإنكليز فيها بعض المراكز، وقد مدوا منها سكة حديدية إلى بلاد الهند،
والذي زهدهم فيها قلة الاستفادة منها، وذلك لرداءة هوائها وقحول أرضها.» وما قاله
السيد الأفغاني عن البلوجستان إنما كان في سنة 1892. •••
وأفاض السيد يوما في وصف رحلته إلى أوروبا وما شاهده في عواصمها الكبرى، وجعل
يفاضل بين هذه العواصم، فقال: إن عاصمتي الروسيا والنمسا «بطرسبرج وفينا» كباريس في
رونق الحضارة وتزايين العمران، وقال: إن فينا أكبر من الآستانة، فانتهزت قوله هذا
وجررته إلى الحديث عن العالم الإسلامي، وما يرجى له من ارتقاء ونهوض، وقلت له: إن
الآستانة اليوم ليست كما كانت منذ ثلاثين سنة، كانت متأخرة في عمرانها من عدة وجوه،
ثم ما زالت تتدرج في الحضارة واصطناع وسائل العمران، حتى قطعت شوطا بعيدا في
ذلك، فالمسلمون إذن دخلوا في دور الانتباه واليقظة، وضرورة الأخذ بمدنية أوروبا،
ومقومات حضارتها المساعدة على القوة، وبدءوا ذلك في عاصمة خلافتهم، كما هو الحال في
كل قوم انتبهوا وأرادوا النهوض من نومهم الطويل، وأرى أنه لا يمضي عليهم زمن حتى يبلغوا
في تقدمهم ما بلغته أمم أوروبا.
فلم يعجب السيد هذا التفاؤل المرح الذي آنسه في كلامي، وقال: إننا معشر المسلمين
إذا لم يؤسس نهوضنا وتمدننا على قواعد ديننا وقرآننا فلا خير فيه، ولا يمكن
التخلص من وصمة انحطاطنا وتأخرنا إلا عن هذا الطريق، فقلت له: ولكن ألا ترى أيها
السيد فرقا بين حالتنا اليوم وحالتنا منذ ثلاثين سنة من حيث الرقي والأخذ بأسباب
العمران مما يصحح لنا القول بأننا قد تقدمنا تقدما ملموسا؟
فقال: إن ما نراه اليوم من حالة حسنة فينا هو عين التقهقر والانحطاط. - ولمه؟ - لأننا في تمدننا هذا مقلدون للأمم الأوروبية، وهو تقليد يجرنا بطبيعته إلى
الإعجاب بالأجانب، والاستكانة لهم، والرضى بسلطتهم علينا، وبذلك تتحول صبغة الإسلام
التي من شأنها رفع راية السلطة والتغلب، إلى صبغة خمول وضعة واستئناس لحكم الأجنبي،
فقلت: وما هي الطريقة القويمة التي ترى أن نسلكها لنتوصل إلى التمدن الصحيح حسب
اعتقادك؟ - لا بد من حركة دينية. - زدني إيضاحا في معنى الحركة الدينية. - إننا لو تأملنا في سبب انقلاب حالة عالم أوروبا من الهمجية إلى المدنية نراه لا
يتعدى الحركة الدينية التي قام بها «لوثير» وتمت على يده، فإن هذا الرجل الكبير لما
رأى شعوب أوروبا زلت وفقدت شهامتها من طول ما خضعت لرؤساء الدين، ولتقاليد لا
تمت بصلة إلى عقل أو يقين، قام بتلك الحركة الدينية، ودعا إليها أمم أوروبا بصبر
وعناد وإلحاح زائدين، فأصلح بذلك أخلاقهم، وقوم اعوجاجهم، وطهر عقولهم، ونبههم
إلى أنهم إنما ولدوا أحرارا، فلماذا استعبدهم المستعبدون؟
ثم قال: ونتج عن نشوء «البروتستانتية» في أوروبا مباراة ومسابقة بينها وبين