دائم ثلاثون جنيها، كما وظف للأرملة وابنتها خمسون جنيها، ووجهت رتبة عالية على
صهرها.
وبمثل هذه الأخلاق الفاضلة والمزايا العالية كان جمال الدين جمال الدين، لا بالانتساب
إلى الأفغانيين أو الإيرانيين. هذا ما كان من أمر السيد وخبره الذي استقيناه من فم
قاضي البصرة مذ كانا في البصرة.
5
ونرجع إلى مجالسنا إلى السيد مذ كنا معا في الآستانة سنة 1310ه: للسيد
الأفغاني كتاب في تاريخ الأفغان سماه: «البيان في تاريخ الأفغان»، وقد مر ذكره. إذا تصفحته وجدت فيه مقاطع كثيرة يستأنس بها، على أن السيد كان أفغانيا
سنيا، لا إيرانيا شيعيا. من ذلك قوله: «وجميع الأفغانيين سنيون متمذهبون بمذهب
أبي حنيفة، لا يتساهلون رجالا ونساء وحضريين وبدويين في الصلاة والصوم، سوى طائفة
«نوري» فإنهم متوغلون في التشيع، ولهم محاربات شديدة مع جيرانهم السنيين، ولا
يبالون بالصلاة والصوم، وإنما يهتمون بأمر مأتم الحسين - رضي الله عنه - في العشر
الأول من محرم، ويضربون ظهورهم وأكتافهم مكشوفة بالسلاسل.» ا.ه.
ولو كان الأفغاني إيرانيا لكانت لهجته في التحدث عن سنية الأفغانيين وتشيع بعض
طوائفهم غير هذه اللهجة، ولكان أفرغ كلامه في أسلوب آخر يعرفه كل من قرأ كتابات
الفريقين السنة والشيعة إذا تكلموا عن حوادثهم وسردوا من أخبار تاريخهم ونشوء فرقهم
ونحلهم. وألذ ما يجد القارئ في تاريخ الأفغاني وصف السيد الأفغاني فيه لقبائل
الأفغان وعاداتهم وأخلاقهم، وتقاليدهم في أفراحهم وأتراحهم، مما يدل على لطافة طبع
السيد وحبه للمزاح والدعابة، مثلما رووا عن جده سيدنا علي بن أبي طالب - رضي
الله عنه، من ذلك قوله: وقلما يوجد البصل عند بعض القبائل كقبيلة «يوسف زائي» وقبيلة
«أجيك زائي»، فتجدهم إذا رأوا أجنبيا يتملقون إليه، ويتذللون بين يديه، قائلين:
«عندنا مريض، فنرجوك أن تتفضل عليه ببصلة عسى أن يكون شفاؤه فيها.» وإن قبيلة «أجيك
زائي» كثيرا ما يتعرضون للقوافل إرادة السلب والنهب، يسدون طريقها، ويقابلونها
بالأسلحة النارية والآلات الحادة، فإذا لم يمكنهم أن يتغلبوا عليها صالحوها على
أقة أو أقتين من البصل. واتفق أن ملك الأفغان «محمد أعظم خان» بعدما ترك البلاد الهندية
وفد على قبيلة «يوسف زائي»، ونزل في خيمة خانها، فقام الخان مسرعا وعلى وجهه لوائح
الفرح وإذا به يقدم للأمير بصلة.
ومن لطيف ما جاء في مقدمة تاريخ الأفغان، وفيه دلالة على تشاؤم السيد الأفغاني
بالإنكليز، ونفرته منهم ومن جشعهم في سلب الممالك والاستيلاء على الشعوب، قوله يصف
عزة الأمة الأفغانية وحبها للحرية والاستقلال: «ولم ترض الدخول تحت حماية الحضجر،
14
المبتلى بجوع البقر والاستسقاء، الذي لم يشبعه ابتلاء مائتي مليون من
الناس، ولم تروه مياه التيمس والكنج، بل فغر فاه ليبتلع بقية العالم ويكرع مياه
النيل وجيحون.» لا جرم أن للإنكليز الحق في أن يبغضوا جمال الدين ويجعجعوا
15
به. فقد كان يهيج الهنود عليهم ويثير حفائظهم، ويوقد نار حميتهم بمثل
قوله لهم: «أما والله لو كنتم سلاحف وأنتم بهذه الكثرة وسبحتم إلى الجزر البريطانية
ورفستموها بأرجلكم لأغرقتموها إلى قاع البحر.» ويذكر هذا بما كان يقوله «عبد الله
نديم» ثورتهم ويهول به وهو يستثير همم العرابيين ويحضهم على الثبات في ضد
الإنكليز، يقول: «لا تخشوا صولة الأسطول الإنكليزي الراسي في جزيرة كريد، فإنه تحت رحمة
مدافع طابياتنا في الإسكندرية، ومدافع طابيات الأتراك في جناق قلعة.» وما كانت حجج جمال
الدين في مناظراته ترتكز على الغلو والتهويل فقط، بل كان أحيانا يعمد إلى الحجة
البليغة من أقرب طرقها، ويفجأ بها الخصم فيفحمه ويقطع عليه حجته. جرى يوما جدال
بينه وبين بعض كبار الأوروبيين في موضوع المفاضلة بين الشرق والغرب، فاقتحم السيد خصمه