تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إليها إن أحبوا.

قال القاضي: فأبلغت هدايت باشا ما قصه علي السيد الأفغاني، فأودعه برقية شيفرة

رفعها إلى المابين. قال القاضي: وبعد أن أبل السيد الأفغاني من مرضه الذي أصيب به وهو

مبعد في «شاه عبد العظيم» تهيأ للسياحة في داخل جزيرة العرب، وهو المشروع الذي قام

به بعده المرحوم «السيد عبد الرحمن الكواكبي»، غير أن الوالي هدايت باشا منعه عن

هذه الرحلة ريثما يكتب إلى المابين ويستطلع رأي أهله فيما عزم عليه جمال الدين، فجاء

جواب السلطان عبد الحميد بالحيلولة بينه وبين ما عزم عليه، فلم يخف سر ذلك على

جمال الدين فطواه في كشحه، ثم استأذن بالسفر إلى لندن، فاستشار الوالي المابين

فأذنوا له بإطلاق سراحه، فعجل جمال الدين بالسفر إلى لندن، وقد أصاب؛ لأن المابين

عاد فأرسل شيفرة إلى والي البصرة بمنع جمال الدين من السفر إلى لندن أيضا.

قال القاضي: ولما هم السيد جمال الدين بركوب البحر إلى لندن لم يكن في جيبه سوى

عشرة جنيهات، فتعجب هدايت باشا من إقدام السيد وكبر همته، وتذاكر مع أعيان البصرة

في أمر مساعدته، فاكتتبوا له؛ الوالي بخمسين جنيها، ونقيب الأشراف «عبد الرحمن أفندي

النقيب والد طالب باشا» بمائة وخمسين جنيها ... وهكذا، إلى أن جمعوا له خمسمائة جنيه،

فسر السيد بما كان من صنيع الوالي، وشكر له عليه وقال له: أرجو أن أكافئك خيرا

جزاء ما صنعت بي، فأجابه الوالي: كيف تكافئني وقد بلغت من الكبر عتيا؟ أقول:

وقول جمال الدين هذا يشعر بما كان قد وقر في نفسه من حب هذا الوالي الصالح

واحترامه الشديد له، ولولا ذلك ما قبل منه الخمسمائة جنيه التي جمعها له من

أعيان البصرة؛ إذ إن المعروف من أخلاق جمال الدين وكبر نفسه، الاستنكاف عن قبول أمثال

هذه العطايا والمنح، وفي مثلها قال كلمته المأثورة: «الأسد أينما ذهب لا يعدم

فريسته»، قالها لما أراد قنصل إنكلترا في السويس وبعض إخوانه أن يعطوه نفقة سفر

إبعاده.

ووصل السيد جمال الدين إلى لندن، ولبث فيها يخطب ويكتب طاعنا في الشاه وحكومته حتى

أثر طعنه في العلائق بين الحكومتين الإيرانية والإنكليزية. وأكثر ما كان يكتب في

جريدة «ضياء الخافقين» بتوقيع «السيد»، وكانت هذه الجريدة تنشر باللسانين العربي

والإنكليزي، وكانت تصدرها شركة إنكليزية، وقد جعلت غرضها «حصول التواصل والتعارف

بين الغربيين والشرقيين». وقرأت في «ضياء الخافقين» مقالا للسيد في وصف ما كانت عليه

بلاد إيران من الانحطاط وسوء الحال ختمها بقوله: «أسفا على هذه الأمة! كيف أبادها

الجور، وبددها الظلم، حتى سقطت من عداد الأمم العظيمة، وكان أن يندرس رسمها، وينطمس

اسمها، أين العلماء؟ وأين حملة القرآن؟ وأين حفاظ الشرع؟ والقائمون بأمر الأمة؟ وأين

نصراء الحق والعدل ... إلخ.»

بمثل هذا القول الثائر والمحرض أحرج الشاه وضاق صدره، فالتجأ إلى السلطان فكتب

السلطان إلى سفيره في لندن رستم باشا فلم يفلح السفير، وأخيرا أفلح الشيخ أبو

الهدى مذ كتب إلى السيد الأفغاني ضروبا من الرقى، وأفانين من المنى. وكان السيد طيب

القلب سليم الصدر سهل الانخداع، فوفد إلى الآستانة، وإذا القاضي عبد الحميد أفندي

الرافعي كان قد انقضت مدة نيابته في البصرة، فجاء الآستانة يطالب بغيرها. قال القاضي:

زرت صديقي السيد الأفغاني، فكان أول ما سألني عنه «هدايت باشا» وكيف حاله؟ فأخبرته

بوفاته، فترحم عليه وكلفني أن أبحث عن مقر عائلته، وما هي حاجاتها حتى يقضيها

لها، فبحثت عنها وسألتها عن حالها، وإذا هي في أشد الضيق يومئذ؛ أرملة الباشا وابنته

كانتا تسعيان لدى نظارة الحربية في تقييد ابن ابنة الباشا في سجل «الزاده كان»، أي مع

أبناء الأشراف والبيوتات القديمة؛ لكي يخصص له راتب، فلم تنجح شفاعتها، ولما بلغ

الخبر السيد جمال الدين شفع في الولد، فقيد اسمه في «الزاده كان» وعين له معاش

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديث · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديثص ٢٥