تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أفندي الرافعي، وكان متوليا قضاء البصرة لحين نزول السيد جمال الدين الأفغاني فيها

مبعدا من قبل حكومة شاه إيران. وإنما حدثني الوجيه الطرابلسي بهذا الحديث لأنه

سمع مني وصف الضجة القائمة حول أفغانية السيد جمال الدين وإيرانيته، على أثر ما نشره

«محمد حسن خان» الملقب باعتماد الدولة، وهو من كبار موظفي حكومة إيران المقربين

لدى ملكها ناصر الدين شاه - في كتابه «المآثر والآثار» - وهو بمثابة السالنامات التي

تصدرها الحكومة العثمانية في بلادها من وقت إلى آخر. فقد قال اعتماد الدولة: «إن جمال

الدين من قرية أسد أباد من أعمال إيران، له مقام عال في العلوم العتيقة والجديدة،

يفتخر به أهل إيران - ولهم الحق - تعلم العلوم الشرعية في مدينة قزوين ومدينة طهران،

وسافر إلى بلاد أفغانستان وهندستان، ومنها إلى الممالك العثمانية ومصر. إلى أن قال:

وأهل السنة والجماعة يزعمون أنه أفغاني الجنس، كما كتب كبير تلامذته أستاذ الأدب

الشيخ محمد عبده في مقدمه رسالة الرد على الدهريين.» انتهى قول اعتماد الدولة.

وسألني سائل في بعض أندية طرابلس عن هذا القول، وعن التوفيق بينه وبين ما قاله كل

من الشيخ محمد عبده وأديب بك إسحق وسليم بك عنحوري، وثلاثتهم من أصدقاء الأفغاني وممن

خالطوه طويلا، وقد حققوا أنه أفغاني الجنس، فقلت في التأويل: إنني وأنا في مصر

(905-909م) سمعت فاضلا إيرانيا أزهريا يروي عن شيوخ قومه أن والد السيد جمال الدين

إيراني من ولاية «مازندران» إحدى مقاطعات إيران، وكان ضابطا في الجيش الإيراني،

فارتأت حكومة إيران أن ترسل ضابطها إلى بلاد الأفغان في مهمة تتعلق بالحدود بين

المملكتين، أو لسبب آخر من الأسباب، فذهب الضابط إلى بلاد الأفغان وطابت له السكنى

فيها، وتزوج إحدى كرائمها، وولد له جمال الدين منها في بلاد الأفغان. أو أن جمال

الدين ولد لأبيه في إيران، ثم حمله أبوه معه إلى الأفغان حين ذهابه إليها. ا.ه.

هذا ما قاله الإيراني الأزهري مما يصلح للتوفيق بين القولين والتقريب بين

الروايتين، وعلى هذا تكون تسميته جمال الدين بالأفغاني وهو إيراني كتسمية مؤرخي العرب

للإسكندر ابن فيلبوس «الإسكندر اليوناني أو الرومي» مع أنه مكدوني، لم يولد في بلاد

اليونان، ولا علاقة له بشعبها، لكنه افتتحها، وكان أستاذه «أرسطو» من فلاسفتها، ومعظم

جنوده من أبنائها. ولم أستتم كلامي هذا عن نسبة جمال الدين حتى انبرى الوجيه

الطرابلسي المذكور، وقال ممتعضا منكرا كل ما قالوه في نسبة جمال الدين إلى

إيران، وقال: إن جعل السيد من أبناء إيران أو مواليد إيران فرية افترتها عليه حكومة

ناصر الدين شاه بقصد الانتقام منه، وإن الخبر اليقين هو فيما حدثني به صديقي «الشيخ

عبد الحميد الرافعي» قاضي البصرة، في أثناء نزول الأفغاني فيها مبعدا من إيران، فهو

إذن شاهد عيان.

قال القاضي: كان والي البصرة ليوم قدوم جمال الدين إليها «هدايت باشا»، وهو رجل جليل

القدر كثير التقوى والصلاح، فاحتفل الوالي وأركان الولاية بالسيد وأكرموا نزله، وإذا

بقرية (شيفرة) وردت إلى الوالي من المابين يسألونه فيها عن نشأة جمال الدين وأصله

وفصله، وهل هو إيراني كما يزعم الشاه، فقال القاضي: فاستحسن الوالي أن يتوسطني لدى

السيد جمال الدين فأسأله عن أصله، ومبتدأ خبره، من حيث لا أجعله يشعر بقصدي ووساطتي،

ولكن ذكاء جمال الدين الخارق جعله ينتبه إلى الغرض من سؤالي، فبادرني بقوله إنه

أفغاني الأصل والفرع، وأنه لا علاقة جنسية له بإيران ولا تابعية، وأن الشاه يشيع ذلك

عنه إرادة اجتراره إلى إيران ثم الانتقام منه والتنكيل به. قال (أي جمال الدين): وفي

سنة 1287ه في زمن وزارة صفوت باشا للمعارف كان عينه عضوا في مجلس المعارف الأعلى

بناء على كونه أفغاني الجنس، ثم قال: فليسألوا (أي رجال المابين) الوزارة المشار

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديث · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديثص ٢٤