في: «هذا رجل العالم السياسي الحربي اللائق أن يكون رئيس وزارة، يقوم فيها
بتدبير الأمة.» فقلت للسيد: كيف يدعوك الشاه لأن تكون رئيس وزرائه وأنت مشهور
بفرط رغبتك في تشييد عقائد أهل السنة؟ فقال: جنون منه وهوس. «كذا سألته وكذا أجابني»، وكلا السؤال والجواب مستغرب في نظري اليوم. ولا أتذكر
السبب الذي دعاني إلى أن أوجه إليه هذا السؤال، ويخطر لي أنني إنما أردت استخراج
تصريح منه فيما يتعلق بكونه أفغانيا سنيا أو إيرانيا شيعيا، فدل جوابه على
أنه ليس من الإيرانية ولا الشيعية في شيء. قال السيد: وبعد أن أقمت في بلاد إيران حينا
من الزمن طلبت الذهاب إلى الأوروبا، فمنعني الشاه من السفر، وبلغني عن لسانه
كلام خشن في، وأنه ينوي لي نية سوء، وأن يحجر علي في البلاد الإيرانية، فاحتلت
على الذهاب إلى مقام شاه عبد العظيم على مسافة عشرين كيلومترا من طهران.
والشاه عبد العظيم هذا من أحفاد بعض أئمة آل البيت، ومقامه حرم من دخله كان
آمنا، فمكثت ثم سبعة أشهر، وكتبت وأنا هناك عدة مقالات، وحررت في الجرائد جملة
رسائل أودعتها مثالب الشاه، وحض الشعب الإيراني على خلعه، ثم خرجت من مقام
الشاه عبد العظيم إلى البصرة، وأقمت فيها حينا، وجرت لي أمور ذات بال؛ منها إرسال
الكتاب إلى بعض مجتهدي الشيعة، ثم قمت من البصرة إلى لندن، وعدت إلى الكتابة في
تقريع الشاه وذمه، والعمل على إسقاطه، ومن لندن طلبني جلالة السلطان عبد الحميد،
فاعتذرت بأني منهمك في أمر الشاه ومشغول بمقاومته، ثم طلبني ثانية (وكان الشيخ أبو
الهدى تعهد للسلطان بأنه سيقنع السيد بلزوم الحضور)، فأجبت الطلب ويممت دار
السعادة، ناويا الرجوع إلى لندن بعد مقابلة السلطان، فأنال أربي من تنكيس الشاه
وإنزاله عن العرش. (وما أشد سلامة صدر السيد الأفغاني مذ ظن أنه يمكن الخروج من
الآستانة، والتخلص من الفخ الذي أوقعه فيه السلطان عبد الحميد والشيخ أبو
الهدى).
قال: ولما قدمت الآستانة أخبرني السلطان بأن سفير إيران طلب مقابلته مرتين، فكان لا
يسمح له، ثم أذن له في المرة الثالثة، فكان مما قاله السلطان لجمال الدين: طلب مني
السفير أن آمرك بالكف عن الشاه وترك التعرض له، وها أنا ذا أطلب منك تركه والإعراض
عنه، فقلت: إنني امتثالا لأمر مولانا خليفة العصر «عفوت الشاه عفوت الشاه»، فقال
السلطان حينئذ: يحق لشاه إيران أن يخاف منك خوفا عظيما. وقد كان أشكل علي
يومئذ قول جمال الدين «عفوت الشاه»، أي تعدية فعل «عفا» بنفسه من دون حرب الجر «عن»،
فراجعت بعض المعاجم فوجدتهم يجوزون تعديته بنفسه على هذه الصورة: عفوت عن فلان،
وعفوت عن فلان ذنبه. وشيخنا الأفغاني لم يقل: عفوت عن الشاه ذنبه، بل قال: عفوت الشاه،
فلا يزال في صحة عبارته نظر.
وذكر السيد أنه حمل بعض مجتهدي إيران على تحريم شرب الدخان، وقد أراد ببعض
المجتهدين «الميرزا محمد حسن الشيرازي»، فأصدر المجتهد فتوى حرم فيها على الإيرانيين
شرب الدخان، فامتنعوا عن شربه امتناعا شديدا، حتى أن الشاه طلب نارجيلة (شيشة)
ليدخن بها، فأجابه حجابه بأنه لا توجد النارجيلة في القصر؛ لأن المجتهدين حظروا
التدخين.
وثار العامة على الشاه وأحاطوا بقصره ليقتلوه أو يلغي المقاولة المعقودة مع الإفرنج
لأجل تأسيس شركة «ريجي» في بلاده، فاضطر الشاه إلى فسخ المقاولة، ودفع إلى أربابها
في مقابل العطل والضرر تعويضا بلغ نصف مليون ليرة إنكليزية. هذا ما قاله جمال الدين في
بيان السبب الذي جعل الشاه يلتجئ في آخر الأمر إلى السلطان عبد الحميد، ويتوسطه في كف
صولة جمال الدين عنه.
ويحسن أن نروي للقارئ ملخصا من خبر إقامة السيد الأفغاني في البصرة، وما جرى له
فيها، حسبما أشار إليه السيد نفسه في حديثه السابق.
قص علي أحد وجهاء طرابلس الشام الخبر الآتي، يرويه عن صديقه الشيخ عبد الحميد