تؤدي حتما إلى مهاترات ومجادلات تنتهي أخيرا إلى بذاءات ومنابذات. علم هذا شيخانا
العظيمان، فزهدا في إطالة النفس في وضع المصنفات، وعدا ذلك قاطعا عليهما عملهما
في الإصلاح الإسلامي والاشتغال عنه بما لا يفيد مع العلم، ولا ينسجم مع أخلاق العلماء. ولا جرم أن الجدل مع المخالفين والرد ورد الرد يشغل رجال الإصلاح عما هم
بسبيله من الإصلاح وتعبيد طرقه وتعميم الدعوة إليه. هنا دعوة إلى الإصلاح الديني وقرت
في نفس المصلحين العظيمين، وقد تعبدا إلى الله في نشرها، وإقناع إخوانهم المسلمين
بها، ويجب أن يسبق الدعوة إلى الشيء تعيين ذلك الشيء وتشخيص هدفه وتحديده من
أطرافه، وأن يكون ململما موجزا تحيط به نفس السامع، ويستوعبه فهمه، وتتشربه مداركه؛
فلا ينبغي أن يشاب الإصلاح بما ليس من موضوعه من الاستطرادات والحشويات، ولو بحجة
الرد عليها، فإن ذكرها يغري بها، ويفتح باب الجدل حواليها، كما وقع للمؤلفين
الأقدمين من فحول علمائنا.
وبعد أن تحدد مطالب «الإصلاح» وتعين، يجب الإلحاح في الدعوة إليها، وحمل
الآخرين على النظر فيها، وكلما حاول الآخرون الخروج عنها إلى الجدل في غيرها ردهم
المصلح بلطف أو بعنف إليها قائلا: هذه هي مطالب الإصلاح، لا نريد بدلا منها ولا
انصراف عنها. وإذا لم يكن للمصلح بد من الجدل قصر جداله عليها، وإذا حورب
حورب من أجلها، وليحذر اللغط فإنه من أكبر الغلط. هذا «لوثيروس» أشهر المصلحين الذين
نجحوا في إصلاحهم إلى أبعد حد، لم يكن يقدر له النجاح لو لم يدع إلى شيء
معدود ومبدأ محدود، غامر في الدعوة إليه والصبر عليه، وعرض نفسه للخطر في سبيله،
فنال المراد، وقضى نهمته مما أراد، ولا نظنه خرج في دعوته إلى الجدل في غير مطالب
الدعوة المعدودة المحدودة؛ ولذا عاشت دعوته، وملأت الخافقين رعيته.
ما لنا وله، هذا «محمد» وبحسبنا «محمد» مثلا، قام
صلى الله عليه وسلم
في وجه المشركين،
فرفع صوته بالدعوة إلى شيء واحد، الأوثان باطلة، والله واحد، التوحيد التوحيد،
دعوا الشرك دعوا الشرك، قضى على ذلك عشر سنوات في بقعة واحدة (مكة)، لا تكاد تعرف
له دعوة فيها إلى غير توحيد الإله، وخلع الأوثان، والاستكثار من ضرب الشواهد
والأمثال، وتنويع أساليب الحجاج في تصوير قبح ما هم عليه، وحسن ما يدعوهم إليه. وبهذه الصورة انتشر التوحيد، وخالطت بشاشته قلوب العرب، حتى إذا تم له
صلى الله عليه وسلم
ما
أراد أخذ في وضع بناء الشرع على أساسه، وتوجيه أتباعه إلى الاهتداء بنبراسه.
هذا ما كان يطمح إليه شيخنا الأفغاني؛ ولذلك لم يكثر من التأليف خشية أن يصرفه
عن الدعوة إلى المقصود والأمل المنشود، وهو وحده يجب أن يكون هدف المصلحين
العاملين. •••
وجرى في بعض جلساتنا إلى السيد ذكر ما وقع له ولناصر الدين لشاه من الإحن والمحن،
وقلنا له: إننا اطلعنا على كتابه الذي أرسله من البصرة إلى أكبر مجتهدي الشيعة، «جناح
الحاج الميرزا محمد حسن الشيرازي» المقيم في «السامرا».
13
وأشرنا إلى ما في الكتاب من بلاغة وحسن تصرف في التهييج، وإثارة الحفائظ على
الشاه، فتهلل وجه السيد وتدفق في وصف ما وقع له من ذلك الشاه. وكان يلذ له
تكرار الحديث في ذلك فقال:
جئت بطرسبرج، فمكثت فيها أكثر من أربع سنوات، وفي خلال هذه المدة زارها
الشاه، وأحب الاجتماع بي، فلم أرغب في مقابلته، ثم سافرت إلى «مونيخ» من بلاد
الألمان، فجاءها الشاه أيضا، وطلب مقابلتي فامتنعت، فتوسط بيننا بعض
كبار الرجال الألمانيين وغيرهم، فاجتمعنا، وطلب مني الذهاب إلى بلاده كي
يجعلني رئيس وزرائه، فأبيت وقلت له: إنني متهيئ للسفر إلى باريس ومشاهدة
معرضها (سنة 1889م)، ولكن الشاه أخذ يلح علي إلحاحا شديدا، فلم أجد
مناصا من إجابة طلبه والذهاب معه إلى بلاده. قال السيد: ومن جملة قول الشاه