تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مجتمعه.

ثم قال السيد: وكما كانت روح الماسونية سياسية محضة، كانت روح البروتستانتية سياسية

دينية، ومن هنا انساق الحديث إلى طائفة «الجزويت»، فقال السيد: إنها جمعية دينية محضة،

ثم شرح ما لهذه الطائفة من النية السوأى نحو الإسلام وأهله. فذكرت له مثالا

لذلك ما كان يرتكبه بعض اليسوعيين من تحريف الكتب التي يطبعونها، والتلاعب بالنصوص

التاريخية التي ينشرونها، وفيها بعض الكيد للمسلمين، وبذلك شوهوا خدمتهم للعلم

والتاريخ، وأضعفوا من ميل المسلمين إلى الاستفادة من مطبوعاتهم. فوافق السيد

الأفغاني على ما قلته، وأيده بقوله: إن اليسوعيين لم يطردوا من فرنسا إلى لكثرة

دسائسهم وغلوهم في مذهبهم، حتى أصبح اسم «جزويت» شتما يشتم به الرجل الآخر، على

أن تلك الطائفة قليلة العدد بالنسبة إلى غيرها من الرهبنات، فإن أتباعها لا يتجاوزون

العشرين ألفا، وسبب هذه القلة فيهم أنهم لا يقبلون دخول أحد في زمرتهم ما لم يتوفر فيه

شرطان؛ الأول: أن يكون غنيا ذا ثروة ونفوذ مالي عظيم، والثاني: أن يكون عالما

متبحرا أو خطيبا ماهرا، ويختبرون مقدرته بإعطائه موضوعا علميا يكتب فيه

ويعلق عليه من رأيه، فإن أعجبهم قبلوه وإلا رفضوه.

وسألنا شيخنا عن مصير آثاره، وما وضعه من الرسائل والتصانيف، فقال: إنه لا يوجد لديه

منها في الآستانة شيء، وقد تركها في لندن حينما غادرها إلى الآستانة على جناح السرعة،

حتى إنه لم يصحب من أمتعته سوى سفط أودعه لبوس بدنه.

وسألته عما إذا كان أنجز وعده الذي بلغنا عنه من أنه سيؤلف كتابا في حقيقة

الديانة الإسلامية، فقال إنه لم يؤلفه بعد، وإنما هو كتب باللغة الفارسية عدة

مقالات في الدين الإسلامي وسمو تعاليمه، لكنها ليست محفوظة لديه، وإنما هي مبعثرة

هنا وهناك عند أصدقائه ومريديه الكثيرين المنتشرين في الهند والبصرة ومصر ولندن.

ولما سمعنا هذا من السيد عجبنا منه! كيف لا يرغب في وضع التصانيف المطولة، وإنما

ترتاح نفسه إلى كتابة المقالات في الدين الإسلامي وسمو تعاليمه والدعوة إليه، ويا ليته جمع تلك المقالات وأعدها للطبع ولم يتركها مبعثرة هنا وهناك لدى أنصاره

المنتشرين في أقطار العالم الإسلامي. وهو أيضا لم يكترث لذكر بعض مصنفاته التي

طبعت كرسالة «الرد على النيشريين» ورسالة «البيان في تاريخ الإنكليز والأفغان»

و«العلة الحقيقية لسعادة الإنسان»، على أن هذه الأخيرة ليست مستقلة، وإنما هي مقدمة

صدر بها تاريخه «البيان» المذكور.

12

وروى الشيخ عبد الرشيد إبراهيم، أن للسيد الأفغاني رسالة في الرد على المسيحيين، ولم

يذكر شيخنا الأفغاني هذه الآثار، ولم يعدها من مصنفاته، وإنما اقتصر على ذكر

مقالات كتبها في سمو الدين الإسلامي. ومثل السيد الأفغاني تلميذه «أستاذنا الشيخ

محمد عبده»، فإنه أيضا ما كان يعنى بوضع المصنفات، ولم يؤثر عنه منها إلا رسالة

لطيفة الحجم في العقائد الإسلامية، وهي «رسالة التوحيد» المشهورة، وإلا رسالة في إصلاح

المحاكم، ورسالة في الرد على هانوتو، ورسالة في الإسلام والنصرانية. وله مصنف في

العلوم الأزهرية تكلفه منذ كان يعمل مع علماء الأزهر في علوم الأزهر، فأنت ترى أن

آثاره لم تتخط شكل الرسالة واسمها، وما نسب إليه من التفسير لم يضعه وضعا

بقصد التصنيف في تفسير القرآن، وإنما هي دروس كان يلقيها على الطلاب في الرواق العباسي

- أحد أروقة الأزهر - فكان الحريصون من المريدين - وأشهرهم صديقنا «الشيخ رشيد رضا» -

يدونون ما يسمعون منه في التفسير.

فالمصلحان العظيمان لم يشاءا أن يؤلفا، ولا أن يخوضا غمار المناقشات الدينية

والعلمية؛ علما منهما بأن كثرة الخوض في أحكام الدين وعقائده وموروث تعاليمه،

والتوسع في شرحها يزيد المسلمين بلبلة وخلافا، ويورط الخائض في مناظرات مع الآخرين

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديث · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديثص ٢١