الطريقة محو الأديان، ووضع أساس الإباحة، والاشتراك في الأموال والأبضاع بين
الناس عامة. وقد كدحوا لإجراء مقصدهم هذا، وبالغوا في السعي إليه، وتلونوا
لذلك في ألوان مختلفة، وتقلبوا في مظاهر متعددة، وكيفما وجدوا في أمة
أفسدوا أخلاقها، وعاد عليهم سعيهم بالزوال. وأيما ذاهب ذهب في غور مقاصد
الآخذين بهذه الطريقة تجلى له أنه لا نتيجة لمقدماتهم سوى فساد المدنية،
وانتقاض بناء الهيئة الاجتماعية الإنسانية، إذ لا ريب في أن الدين مطلقا هو
سلك النظام الاجتماعي، ولن يستحكم أساس للتمدن بدون الدين البتة، وأول
تعليم لهذه الطائفة إعدام الأديان وطرح كل عقد ديني. وأما عدم شيوع هذه
الطريقة وقلة سلاكها مع طول الزمن على نشأته، فسببه أن نظام الألفة
الإنسانية - وهو من آثار الحكمة الإلهية السامية - كانت له الغلبة على أصولها
الواهية، وشريعتها الفاسدة؛ ولهذا السر الإلهي انبعثت نفوس البشر لمحو ما ظهر
منها. ومن هذا لم يسبق لهم ثبات قدم، ولم تقم لهم قائمة أمر، ولا في وقت
من الأوقات. ولتفصيل ما ذكرنا نتقدم بإنشاء رسالة صغيرة، أرجو أن تكون مقبولة
عند العقل الغريزي لذلك الصديق الفاضل، وأن تنال من ذوي العقول الصافية نظرة
الاعتبار. ا.ه.
شرح لنا السيد الأفغاني في مجلسه كل هذا، وانتهى به القول إلى وصف ما عليه قبائل
الهند من الجهل والغباوة، وقال: حبذا لو أن الدولة العثمانية ترسل بعثات من
العلماء إليهم، لا لأجل دعوتهم إلى الإسلام فإنهم مسلمون، ولكن لأجل أن يعلموهم قواعد
الإسلام، فإن جهلهم لها جعلهم مسلمين بالاسم، حتى إذا سئلوا عن الدين الذي يدينون به
قالوا في الجواب: «نأكل لحم البقر والحمد لله»، يعنون أنهم من أتباع الدين الذي كل ما
يعرفونه عنه أنه يبيح لهم أكل البقر، وليسوا من أتباع الدين الذي لا يبيح لهم ذلك، وهو
دين وثنيي الهند الذين يعبدون البقر، ولا يأكلون لحومها.
قال: فقبائل الهند لا يعرفون من أحكام دينهم - دين الإسلام - إلا جواز أكل لحم البقر،
مثل هؤلاء يجب علينا أن ننشر بينهم تعاليم ديننا، وهذا بالطبع أقرب وأوجب من نشره
بين غير المسلمين. ثم قال: ويا ليت أهل مصر الذين ينفقون في موالد الأولياء مليوني
ليرة أو أكثر في السنة الواحدة، أنفقوا ذلك في سبيل نشر الإسلام بين تلك القبائل
الجاهلة، فإنه أصلح للأمة، وأعون على لم شعثها.
واستطرد إلى وصف نيشريي الهند ومآربهم، والطرق التي يسلكونها للوصول إلى أغراضهم،
من ذلك أنهم يدعون أن إبراهيم وموسى وعيسى، وطائفة كبيرة من عظماء العالم كانوا
نيشريين، يضللون بذلك عقول السذج ويهونون عليهم الدخول في بدعتهم.
وما قاله السيد عن نيشريي الشرق الأوسط ذكرني بما يقال عن ماسون الشرق الأدنى،
فقلت له: إنه لا يوجد في بلادنا نيشرية ولا نيشريون، وإنما يتردد مكان ذلك اسم
الماسونية والماسون، وتدعي هذه الطائفة أن كثيرين من عظماء التاريخ كانوا من
شيعتهم. فما هو المبدأ الماسوني وما هو مختصر تاريخ الماسونيين؟ فقال: إن الماسونية
نشأت في الأوروبا، (كذا كان يلفظها السيد، وكأنها ترجمة لقول الإفرنج
Europe )، وكان الغرض من نشوئها في الأصل إضعاف
السلطة البابوية. فقلت له: إذن هي مسيحية محضة في نشأتها وفي أغراضها التي ترمي إليها،
فما لها ولغير المسيحيين؟ فقال: إن السبب الأصلي في قيام الماسونية هو ما قلناه من
مقاومة سلطة البابا ، لكن أربابها لما دونوا تعاليمها رأوا تقوية لها أو لأنفسهم أن
يوسعوا نطاق تلك التعاليم؛ بحيث يسمح لغير المسيحيين أن يدخلوا فيها ويعدوا من
أبنائها، وبذلك أصبحت الماسونية شيعة سياسية أو حزبا سياسيا لا شائبة للدين
فيه، غير أن دعاتها يشترطون على من أراد الانتساب إليها أن يكون معتقدا بوجود الله
وببقاء النفس، من حيث يؤدي ذلك إلى سلامة البشر من الإلحاد، وإفاضة المدنية على