تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أساس المدنية، والكفر فساد العمران ألفها السيد باللغة الفارسية، ونقلها إلى العربية

الشيخ محمد عبده بمساعدة «عارف أفندي أبي تراب الأفغاني» تابع السيد جمال الدين الخاص،

وطبعت الرسالة في بيروت سنة 1303ه. وقد سألنا السيد الأفغاني في بعض جلساتنا إليه عن

السبب في تأليفه هذه الرسالة التي اشتهرت بأنها رد على النيشريين ومن هم هؤلاء

النيشريون؟ فقال:

إن كثيرين من مسلمي الهند تلوثوا بهذه البدعة التي بثها الإنكليز في

بلادهم، من حيث إنهم (أي الإنكليز) رأوها أقرب وسيلة للوصول إلى غرضهم،

وتأييد سلطانهم في الهند، وجد الإنكليز أن الديانة الإسلامية تطلب من

أتباعها أن يكونوا أصحاب الشوكة والسلطان في أوطانهم، ولاحظوا أن ذلك هو طبيعة

الإسلام التي لا يمكن انسلاخه عنها، ولا انتزاعها من فطرة أبنائه، ففكروا في

أمر يضعف أثر هذه العقيدة في نفوسهم، فرأوا أن أقرب طريق إلى نيل

مرادهم هو نشر التعطيل بين المسلمين، وأن الدعوة إليه أنفذ إلى قلوبهم من

الدعوة إلى التثليث. والتعطيل الذي هو الإلحاد يسمى بالإنجليزية «نيشر» أو

«نيجر»

Nature ،

11

ففتحوا مدرسة عظمى لنشر تعاليم النيشرية وبث مباديها في نفوس النشء

المسلم، فضل كثيرون منهم وأشربوا حب الإلحاد في قلوبهم، ولا سيما أولاد

الأمراء الذين كان معظم طلاب تلك المدرسة منهم. فلما ألف السيد رسالته في

الرد على النيشريين، وانتشرت في طول بلاد الهند وعرضها؛ أخرج كثيرون من

أمرائها أولادهم من تلك المدرسة، ورجع آخرون عما كان خامر نفوسهم من

التعطيل والإلحاد.

قال السيد: وإنما سعى الإنكليز في جعل المسلمين دهريين، ولم يسعوا في جعلهم

مسيحيين؛ لأنهم رأوا - بعد طول تجربة واختيار - أن دعوة المبشرين لمسلمي الهند

بالنصرانية لم تنجح، وأن مساعيهم في نشرها كانت تذهب أدراج الرياح؛ لأنهم وجدوا أن

المسلمين نصارى وزيادة، فهم يؤمنون بعيسى ومريم وبجميع التعاليم المعقولة التي علم

بها المسيح، «ويبرئونه وأمه من كل شين»، كما يبرئه المسيحيون.

ولزيادة الفائدة في التثبت من هذا الموضوع - موضوع نشر الإلحاد - ومقاومة شيخنا

الأفغاني له بكل هذه الشدة؛ ننقل صورة الكتاب الذي أرسله إليه «مولوي محمد واصل» مدرس

الفنون الرياضية في مدرسة الأعزة بمدينة حيدر آباد الدكن من بلاد الهند، وهي هذه:

19 محرم سنة 1298ه

قال المولوي محمد (بعد رسوم المخاطبة): يقرع آذاننا في هذه الأيام صوت نيشر

نيشر، وإنه ليصل إلينا من جميع الأقطار الهندية، من الممالك الغربية والشمالية

و«أوده» و«بنجاب» و«بنغاله» و«السند» و«حيدر آباد الدكن»، ولا تخلو بلدة أو

قصبة من جماعة يلقبون بهذا اللقب «نيشري»، ويظهر لنا أن من يعلق عليهم هذا

اللقب ينمو عددهم على امتداد الزمان؛ خصوصا بين المسلمين. ولقد سألت أكثر

من لاقيت من هذه الطائفة: ما هي حقيقة النيشرية؟ وفي أي وقت كان ظهور

النيشريين؟ وهل من قصد هذه الطائفة بمسلكها الجديد عندنا أن تقوم عماد

المدنية، ولا تعدو هذا المقصد؟ أو لها مقاصد أخرى؟ وهل طريقتهم تنافي أصول

الدين المطلق؟ أو هي لا تعارضه بوجه ما؟ وأية نسبة بين آثار هذا المشرب

وآثار مطلق الدين في عالم المدنية؟ والهيأة الاجتماعية الإنسانية؟ فإن كانت هذه

الطريقة من النحل القديمة، فلم لم تنشر بيننا ولم نعهد لها دعاة إلا في

هذه الأوقات؟ وإن كانت جديدة فما الغاية من إحداثها؟ وأي أثر يكون عن الأخذ

بها؟ ولكن لم يفدني أحد عما سألت بجواب شاف كاف؛ ولهذا، ألتمس من

جنابكم العالي أن تشرحوا حقيقة النيشرية والنيشريين بتفصيل ينقع الغلة، ويشفي

العلة والسلام. ا.ه.

فأجابه شيخنا الأفغاني بكتاب هذا نصه:

محبي العزيز ... «النيشر» اسم للطبيعة، وطريقة النيشر هي تلك الطريقة الدهرية التي ظهرت في

بلاد اليونان في القرنين الرابع والثالث قبل ميلاد المسيح، ومقصد أرباب هذه

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديث · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديثص ١٩