قبل ألف عام ونيف. ويا حبذا لو أن الأدباء الذين جمعهم المأمون بادروا بادئ بدء
إلى نقل الإلياذة، ولو ألجأهم ذلك إلى إهمال نقل الفلسفة اليونانية برمتها.»
ا.ه.
أما سبب زهد السيد الأفغاني في الزواج فأجاب عنه بقوله: «الإنسان في هذا العالم
يشبه مسافرا عاريا حافيا، يسير في مفازة ذات تضاريس وأشواك وعواثير تحيط به من كل
جانب، وهو يجتهد في التخلص منها، ثم النجاة بنفسه سالما. فما بالكم لو حملنا
على ظهر هذا المسافر مسافرا آخر أعياه السير، أما يخشى عليه من الهلاك؟ كذلك شأن
المتزوج.» ثم قال إنه لو تزوج وقد بلغ هذا العمر (وكان عمره يومئذ ستا وخمسين
سنة) لاستغرب الناس منه ذلك كما يستغرب من الشيخ عليش لو سار بتلاميذه إلى أزبكية مصر
وجلس معهم إلى بعض المشارب، ثم أمر الجارسون أن يحضر إلى الشيخ ده زجاجة بيرا،
وإلى الشيخ دوكها زجاجة شمبانيا.
وكان السيد يرتضخ لهجة مصرية، ولا غرو فقد أقام في مصر نحو ثماني سنوات. والشيخ عليش
هذا شيخ مغربي من علماء الأزهر، اشتهر بالتقوى والصلاح والتشدد في الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، وله حكايات جمة في شدته على السيد الأفغاني وتلاميذه، وخاصة
على الشيخ حسن الطويل (أحد علماء الأزهر المتخصصين في الفلسفة وتعليمها)، فكان
الشيخ عليش يهرول إلى مكامنهم في زوايا الأزهر ويشلهم بعكازته شلا، ولا يدعهم
يلوثون بقاع الأزهر الطاهرة بالكفر والزندقة.
وهكذا عاش شيخنا الأفغاني عزبا، والتحق بربه عزبا. وقد شغله عن اتخاذ الأهل
والولد انصرافه بهموم نفسه وشراشر قلبه إلى إنشاء دولة إسلامية، تتخذ من أسباب
الرقي والمدنية والعزة ما تحمي به نفسها، وتنقذ غيرها من الأمم الإسلامية
المستضعفة.
وذكر السيد الأفغاني للشيخ عليش وتمثله به في مسألة الزواج يدل على أن السيد -
رحمه الله - كان يتسع صدره لغضب الشيخ عليش، ويتلقى ما كان منه من شدة الوطأة عليه
وعلى تلاميذه بكثير من الصبر وبكثير من العذر، فإن قلق الشيخ عليش وهياجه ضد
المشتغلين بالفلسفة خشية أن يتسرب إلى الدين ما يفسده ويضر بسلامته أمر طبيعي فيمن كان
على مثل حاله وورعه وتربيته الأزهرية، فلا يستغرب منه هذا، بل ربما كان من المستغرب
أن يتسامح مع هؤلاء المجددين من النوابت.
أما ما لم يكن طبيعيا في نظر السيد الأفغاني، ولا يمكن أن يتحمله أو يغمض فيه
بحال من الأحوال، فهو الخيانة الوطنية، والتفريط بالمصالح القومية، فما كان يتسامح قط
مع أولئك الزعماء الذين يخونون وطنهم ويساومون على مصالح أمتهم. وهذا ما كان من
السيد الأفغاني مع شيخ الإسلام التركي «حسن فهمي أفندي»، فإن شيخ الإسلام هذا كان قاوم
السيد الأفغاني في الآستانة لما جاءها لأول مرة، وأخرجه منها ظلما وعدوانا بسبب خطابه
الذي كان ألقاه في «دار الفنون» كما مر تفصيله، فلم ينس جمال الدين هذا من عمل حسن
فهمي، فقال فيه كلمة عرض فيه بخيانته لوطنه تعريضا محضا. وقد جاء ذلك في رسالة
10
للسيد جمال الدين بعنوان «الحكومة الاستبدادية»، وقد وصف فيها هذه
الحكومة وقارنها بالحكومات الأخرى، حكومة قاسية وحكومة ظالمة ورحيمة وعالمة وأفينة
غرة ومتنطسة، وقد قال في رجال هذه الحكومة الأخيرة، يكون من شأن رجالها كذا وكذا،
ويشعرون بأن استكمال سعادة المملكة وصيانة استقلالها لا يكونان إلا بارتباطاتها
السياسية وعلائقها التجارية مع الممالك الأخرى، وأنها لا تتم إلا برجال عارفين دهاة
متبصرين محبين لأوطانهم، لا كحسن فهمي أفندي - شيخ الإسلام الأسبق في الآستانة -
الذي كان يقول لعدو وطنه الجنرال «أغناتيف» سفير الروسيا فيها: «إنك عيني اليمنى، وإن
حيدرا ابني عيني اليسرى.» ذكر ذلك حضرة مدحت أفندي في كتابه المسمى «بأس
الانقلاب». ا.ه.
4
وللسيد الأفغاني رسالة بليغة في إبطال مذهب الدهريين وبيان مفاسدهم، وإثبات أن الدين