تفسير القرآن والحديث. ألق نظرة على فهرست أحد الكتب الدينية الكبرى، وتأمل فيها
لترى ما الذي يمكن عرضه والدعوة إليه من أحكامها وتعاليمها، وما لا يمكن، تجد أن ما
لا يمكن العمل به ولا الدعوة إليه ولا تطبيق مفاصله أصبح عبئا يجب الاستغناء عنه بما
يمكن، والممكن هو ما في القرآن وحده كما قال السيد الأفغاني، وكما أشار إليه في آخر
رسالته في إبطال مذهب الدهريين منه قال: «لم تبق ريبة أن الدين هو السبب الفرد
لسعادة الإنسان، فلو قام الدين على قواعد الأمر الإلهي الحق ولم يخالطه شيء من أباطيل
من يزعمونه ولا يعرفونه، فلا ريب أنه يذهب بمعتقديه في جواد الكمال الصوري
والمعنوي.»
وكأن السيد يريد أن يقول في تعاليم الإسلام: إن الشجرة إذا ازداد نموها، واشتد
التفافها، وكثرت أوراقها، وتشعبت أغصانها؛ قل ثمرها، وتضاءلت غلتها. فالبستاني الحاذق يعمد إليها فيبتر ويشذب، ويقلم ويهذب، ويبقي على بعض أصولها،
فيتسرب الغذاء إلى هذه الأصول وحدها، وبذلك يعود إلى الشجرة طاقة إثمارها. وإيتاء
أكلها. وهكذا القرآن يجب أن تنصرف همم المصلحين، وتتجه عزائمهم إلى فهمه
وحده، وفهم حياة النبي العملية التي تفسره وحده، وتنمية شعور المسلمين
وتربيتهم على قداسته وحده، وإنما كان هذا؛ لأن تزاحم الأمم على الحياة في هذا العصر
استأثر بالوقت، فلم يبق منه للثقافات الدينية والدراسات الروحية إلا القليل، فيجب
اغتنام القليل وتسخيره في خدمة القرآن، فيخف الحمل وتسير السفينة باسم الله.
ورأى بعض جلساء السيد الأفغاني ما تركه الحديث السابق في نفسه من أثر انفعال
وتأثر، فرفه عنه بشيء من المفاكهة والمطايبة، وهو سؤاله عن سبب زهده في الزواج،
وسأله آخر من طلاب العلوم عن الجوهر الفرد ودليله، وهما سؤالان متناقضان من حيث الجد
والفكاهة. وكان بلغنا أن السلطان عبد الحميد رغب إليه أن يتزوج بإحدى سراري
القصر، فيفرد له منزلا بأثاثه ورياشه، على أن السلطان ما كان يهمه أن يتزوج جمال
الدين بقدر ما كان يهمه أن يربطه بزوج ومسكن فيبقى تحت مراقبة جواسيسه، وتهدأ بلاده
وبلاد الشاه خاصة. ولم يغن الشاه ذلك فتيلا، فإنه قتل بيد رجل من رجال جمال
الدين متأثرا بآرائه ونزعاته.
أجاب السيد الأفغاني عن دليل الجوهر الفرد، بأننا لو وضعنا كرة تامة الكروية على
جسم مسطح تام التسطح لم تثبت عليه الكرة إلا بالجوهر الفرد، وإلا لم تكن الكرة كرة
أو السطح مسطحا. وأفاض في بيان ذلك وبيان الجزء الذيموقراطي،
9
والفرق بين هذا الجزء وبين الجوهر الفرد الذي يؤدي إنكاره إلى القول
بقدم المادة، وقال: إن الجزء الذيمقراطي هو الذي لا ينقسم في الخارج فعلا، وإنما
ينقسم عقلا ووهما، بدليل أنه لو فرض جزء بين جزأين، فإما أن يكون له شمال ويمين
فيكون منقسما أو لا، فيلزم تداخل الأجسام وهو محال.
واعترض الحديث بعض أدباء الترك الحاضرين في المجلس بمناسبة ذكر الجوهر الفرد،
فأنشد أبياتا بالتركية، وصف فيها الشاعر فم محبوبه بشدة الصغر، فقال: «جوهر لا
يتجزأ ديسه م ياخود فم»، أي: هل أقول عن فم محبوبي إنه فم أو جوهر فرد.
ومن كلام السيد الأفغاني في فلسفة اليونان واحتضان فلاسفة الإسلام لها قوله: «إن
القول بوحدة الوجود أصله دين قدماء اليونان، وقد دخل في مذاهب العرب عند ترجمتهم لكتب
أولئك القدماء، فهو دين متداخل في دين من غير شعور الآخذين به.» وكان السيد الأفغاني
يعجبه الحديث عن اليونان وفلاسفتهم ومن حذا حذوهم من فلاسفة الإسلام، وهذا ما جعل
«رينان» يقول فيه: كنت وأنا أحدث جمال الدين الأفغاني كأني أحدث ابن سينا أو ابن
رشد. وروى العلامة سليمان البستاني، أن السيد الأفغاني قال له منذ بلغه أنه شارع في
ترجمة الإلياذة: «وإنه ليسرنا جدا أن تفعل اليوم ما كان يجب على العرب أن يفعلوه