تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على الوصول إلى الحقائق بالطريقة الفلسفية، وهي «لمه» و«لماذا» إذ إن معظم آيات القرآن

واردة في معرض لم كان الأمر كذا؟ ولماذا كان الأمر كذا؟ وتكليف المخاطبين أن يعطوا

الجواب المعقول على هذا السؤال، وليست الفلسفة سوى ذلك.

قال: ومن مزايا القرآن أن العرب قبل إنزال القرآن عليهم كانوا في حالة همجية لا

توصف، فلم يمض عليهم قرن ونصف قرن حتى ملكوا عالم زمانهم، وفاقوا أمم الأرض سياسة

وعلما وفلسفة وصناعة وتجارة. وكل هذا لعمري لم ينتج إلا عن هدي القرآن وإرشاد

القرآن، فالقرآن وحده الذي كان كافيا في اجتذاب الأمم القديمة وهدايتها، جدير أن يكون

كافيا اليوم أيضا في اجتذاب الأمم الحديثة وهدايتها.

ولما انتهى الحديث بالسيد إلى هنا تنفس وقال: لولانا، لولانا، القصور منا والتبعة

علينا، انصرفنا عن الأخذ بروح القرآن، والعمل بمعانيه ومضامينه، إلى الاشتغال بألفاظه

وإعرابه، والوقوف عند بابه، دون التخطي إلى محرابه. ولا بد هنا من إرسال نظرة عميقة

في قول شيخنا الأفغاني: «القرآن وحده»، فإن في قوله هذا إشارة إلى أن المسلمين في

الصدر الأول كفاهم القرآن وحده في هداية البشر، أما اليوم فلماذا لم يكفهم القرآن

وحده هداية البشر وهداية أنفسهم؟ أليس هذا عجيبا من مواضع العجب؟

السيد الأفغاني ينبهنا إلى أن القرآن لم يعد وحده في قلوبنا ولا على أكفنا؛

ليسهل علينا العمل بتعاليمه، وليتيسر لنا عرضه على الأمم مبشرين ومنذرين. وقد كانت

الدعوة إلى القرآن والتبشير به من أكبر ما يطمح إليه الأفغاني في حياته، وكان يتلو على

من يرى فيه المقدرة على الدعوة قوله تعالى:

ولتكن منكم

أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن

المنكر وأولئك هم المفلحون ، وإنما نحن اليوم حملنا مع

القرآن أبحاثا لفظية، ومناقشات حول أحكامه فرضية، واستنتاجات ليست في مصلحة البشر ولا

هي من وسائل هدايتهم إلى الإيمان به، وأضفنا إليه من الشرح والتفسير ما لا محصل

له سوى الإغراب وإرضاء العامة، وأي حاجة لأن يزداد على قوله تعالى:

وجيء يومئذ بجهنم ، هذه الجملة «تقاد - أي جهنم - بسبعين

ألف زمام، وكل زمام بيد سبعين ألف ملك» في نظير ذلك من الزيادات المفسدات للدين

المزعزعات لليقين.

وكما قلنا فيما سبق أن تمييز النصوص صحيحها من فاسدها، والجرأة في نصرة الصحيح والجهر

بالدعوة إليه وحده - هو أول قاعدة من قواعد الإصلاح الديني - نقول بمناسبة قول شيخنا

الأفغاني: «القرآن وحده»؛ إن القاعدة الثانية للإصلاح وتيسير الدين للدعوة هي الاعتماد

على القرآن وحده في هذا الإصلاح والدعوة، ونحن نعلم من شيخنا الأفغاني أن ما آخى القرآن

هو من القرآن، فالحديث المتواتر هو من درجة القرآن في إثبات الحكم، وكذلك إجماع

المسلمين في الصدر الأول على حكم من الأحكام العملية الماضية مع الزمن هو مما يتمشى

مع القرآن، ولا سيما أعمال النبي

صلى الله عليه وسلم

في حياته هو تفسير للقرآن، وعمل بالقرآن،

فهو إذن من القرآن. فالتواتر والإجماع وأعمال النبي المتوارثة إلى اليوم هي السنة

الصحيحة، التي تدخل في مفهوم القرآن وحده والدعوة إلى القرآن وحده.

القرآن وحده سبب الهداية، والعمدة في الدعاية، أما ما تراكم عليه وتجمع

حواليه من آراء الرجال واستنباطهم ونظرياتهم، فيبتغي ألا نعول عليها كوحي، وإنما

نستأنس بها كرأي، ولا نحملها على أكفنا مع القرآن في الدعوة إليه، وإرشاد الأمم إلى

تعاليمه لصعوبة ذلك وتعسره، وإضاعة الوقت في عرضه، ألسنا مكلفين بالدعوة إلى

الإسلام وحمل الأمم على قبوله؟ وهل تمكن الدعوة من دون ترجمة تعاليم الإسلام إلى

لغة الأقوام الذين ندعوهم؟ هل في طاقة سكان البرازيل مثلا إذا أردنا دعوتهم إلى

الإسلام أن يفهموا كنه الإسلام من ترجمة أقوال علماء الإسلام وآرائهم المتشعبة في

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديث · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديثص ١٦