تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يده، ثم أشار إلى رجاله فهبوا إليه وبطحوه وانهالوا عليه بالهراوى ضربا

وجيعا، حتى سال الدم من فمه ومنخريه، واستغاث بجدي السيد (النبي والحسين)

فتركه السيد وذهب حبوا إلى الإنكليز، فلامه هؤلاء وقالوا له: أنت المخطئ في

مجادلتك قوما خرجت من دينهم.

وكان السيد أمر رجاله الأفغانيين أنهم إذا رأوا ميرزا في حيهم يقتلونه،

فرأوه يوما مطلا برأسه من دار بعض القساوسة، فعرفوه وأرغوا باب الدار

وراموا فتحه فامتنع عليهم، فعزموا على حرق الدار، وأحضروا النار، ولولا أن

القسيس نزل إليهم من الدار مقسما بالإنجيل على أن ميرزا لا يأتيهم بعد الآن

لأحرقوه. ثم ضرب الدهر ضرباته، وإذا السيد جمال الدين في باريس، فجعل

يسأل عن الميرزا حنا، ولا أحد يخبره عنه، ففي بعض الأيام جاءه كتاب فضة، وإذا

هو بتوقيع ميرزا باقر، وقد افتتح كتابه بالصلاة والسلام على النبي حنيفا

مسلما، ثم اجتمعا وتصافيا، وكان السيد يرسله مع الشيخ محمد عبده إلى باريس

ليترجم بينه وبين رجال السياسة، فأرسله معه مرة لمذاكرة السياسيين بشأن «مالية

مصر»، فجعل ميرزا في أثناء الترجمة يتعرض للمسائل الإسلامية، وبيان مزايا

الإسلام والدعوة إليه، وكان هذا دأبه، فكان الشيخ عبده يقول له مبتسما: خل

الدعوة لوقت آخر ومكان آخر، نحن اليوم مشتغلون بمسائل مالية مصر وغيرها من

الشئون، لا في مسائل الدين والدعوة إليه، وميرزا لا يصغي إلى نصيحته، ولا يرجع

عن اللهج بدعوته، وكان يطبع نشرات يدعو بها إلى الإسلام، ويقف على أبواب

الكنائس ويدسها في أيدي الداخلين والخارجين من أغنياء ومعدمين .

وقد نظم بعض الإيرانيين قصيدة باللغة الفارسية مدح بها فيكتوريا ملكة

الإنكليز، وكلفوا ميرزا باقر ترجمتها إلى الإنكليزية، فترجمها شعرا، وعرضوا

عليه مكافأة عليها مبلغ خمسمائة جنيه فأعرض مستنكفا، وقال: لا أريد مكافأة

عليها إلا الجلاء عن مصر، الجلاء عن مصر، وكان رحمه الله فقيرا جدا لا يملك

قوت يومه.

هذا ما سمعناه من فم جمال الدين عن ميرزا باقر رحمه الله، وأنه ختم حياته الجديدة

بنشر مزايا الإسلام والدفاع عنه والدعوة إليه، والكتابة في مناقبه، والمقارنة بينه وبين

الأديان الأخرى، على نمط ما كان يفعل كل من صاحبيه - السيد الأفغاني والشيخ عبده. وما

أشد اغتباطنا في أن يقوم فينا عدة رجال كجمال الدين لا جمال الدين واحد. وكان الشيخ

محمد عبده رحمه الله يأسف ويحوقل مذ يسمعهم يقولون له: إنه لا يوجد في المسلمين غيره،

ويقول لهم: إن قولكم هذا يؤلمني جدا، وكم أتمنى أن يكون في المسلمين كثيرون أفضل

مني وأقدر على العمل في خدمتهم، وتوفير مصلحتهم، والذود عن حقوقهم.

وما قاله الشيخ عبده يذكر بما كان من الفخر الرازي، فقد كان يقوم على منبر الري

خطيبا، فيطرق طويلا ثم يرفع رأسه ويضرب بيده على لحيته وينشد:

خلت الديار فسدت غير مسود

ومن البلاء تفردي بالسؤدد

وسمعت السيد الأفغاني يقول في مجلس له: إن أهل أوروبا مستعدون لقبول الإسلام إذا

أحسنت الدعوة إليه؛ فقد قارنوا بين الدين الإسلامي وبين غيره فوجدوا البون شاسعا من

حيث يسر العقائد وقرب تناولها، وأقرب من أهل أوروبا إلى قبول الإسلام أهل

أمريكا، وإنما كانوا أقرب من الأوروبيين؛ لأنه لا يوجد بينهم وبين الأمم الإسلامية

عداوات موروثة ولا أضغان مدفونة، مثلما هو الحال بين المسلمين والأوروبيين.

قال السيد: والقرآن من أكبر الوسائل في لفت نظر الإفرنج إلى حسن الإسلام، فهو

يدعوهم بلسان حاله إليه، لكنهم يرون حالة المسلمين السوأى من خلال القرآن، فيقعدون

عن اتباعه والإيمان به.

قال: فإذا أردنا اليوم أن نحمل غيرنا على الدخول في ديننا، وجب علينا قبل كل شيء

أن نقيم لهم البرهان على أننا لسنا متمسكين بخصال الإسلام، فلم نكن مسلمين ... كاملين. وأفاض السيد في مزايا القرآن وتعاليمه السامية، من ذلك أنه (أي القرآن) أول من دلنا

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديث · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديثص ١٥