تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأصلح أن يذهب السيد إلى أوروبا، فيقوم ثم ببعض الأغراض السياسية المتعلقة بمصالح

الدولة العلية، ثم ضربوا صفحا عن كل ذلك وقال له السلطان: أريد أن أجعل وطنك

الآستانة؛ إذ لم يكن لك وطن.

والحق أن السلطان كان يخشى شرة السيد ويحاذر صولته - كما مر آنفا - فهو

يفضل أن يبقى محبوسا في القفص.

أما أن السلطان يريد أن يجعل الآستانة وطنا للسيد فهو قول لا محصل له في نظر السيد؛

لأن الإسلام بطبيعته يعلم بأن بلاد الإسلام مهما اتسعت رقعتها وترامت أطرافها،

تكون كل قرية أو بقعة منها وطنا للمسلم الذي ينزلها، فأهلها إخوته، وحكومتها حكومته،

ويعنيه من أمرها ما يعني سكانها أنفسهم، فله أن يشتغل بسياستها، وينقد حكامها،

ويرفع صوته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيها. وهذا ما كان من جمال الدين طول

حياته التي عاشها، فقد كان أفغانيا في الأفغان، إيرانيا في إيران، هنديا في

الهند، حجازيا مصريا في الحجاز ومصر، تركيا في بلاد الترك. وكان إذا سئل السيد

عن وطنه أجاب: ليس لي وطن. على أنه لا وطن اليوم للمسلمين، يشير بهذا إلى أنهم غرباء في

أوطانهم ما دام الأجانب مسيطرين عليهم. لا جرم أن شيخنا الأفغاني كان في حياته وجولاته

في بلاد الإسلام رمزا قائما بنفسه إلى وحدة الممالك الإسلامية، وأن سكانها شعب

واحد، يعيشون في وطن واحد؛ ولذا كان أكبر غرض يسعى إليه هو إقامة حكومة إسلامية قوية،

ينضوي إلى رايتها جميع شعوب الإسلام. هذا كان همه الأكبر وهدفه الأعظم، لكنه - وا أسفاه

- لم يجد من ينقطع إليه في خدمة غرضه من المريدين به سوى الشيخ محمد عبده، على أن هذا

شعر أخيرا بصعوبة الأمر، وأوجس خيفة من الخيبة فيه قبل حلول وقته المقدر له، فكان

يشير على جمال الدين وهما في باريس بترك الصحافة وهجر السياسة إلى الانقطاع للعلم

والدرس والتعليم في مدارس يبنونها ومعاهد يؤسسونها، فكان يقول له جمال الدين:

اسكت أنت مثبط. وكأن المتنبي نظر إلى السيد الأفغاني بعين الغضب مذ قال:

أهم بشيء والليالي كأنها

تطاردني عن كونه وأطارد

بعيدا عن الأوطان في كل بلدة

إذا عظم المطلوب قل المساعد

ويا ليت الأفغاني كان اليوم حيا فيرى ما وفق إليه زعماء العرب أخيرا من تكوين

هذه «الجامعة العربية»، فإن فيها بعض ما كان يدعو السيد إليه ويحرص عليه من أمر

الوحدة. لا جرم أن في وحدة العرب وقوتهم قوة للإسلام في جميع بلاد الإسلام، ولا سيما إذا عرفت رجال الجامعة كيف يخلصون في العمل ويتفقون في الاتجاه،

ويطبقون أعمالهم وقرارات جامعتهم على نواميس مدنية هذا العصر، ويفرغون مساعيهم في

قوالب عقلية أهله، ودهاء ساسته، وهم فاعلون إن شاء الله.

وعرض في مجلس السيد ذكر لميرزا باقر، فسئل السيد عنه، فحكى لنا ملخص ما

عرفه من أمره ومبتدأ خبره، فقال:

إن هذا الرجل تعلم في مدارس الهند الإنكليزية وهو صغير فتنصر، وسمي

ميرزا يوحنا، ثم صار ترجمانا لمشير الجيش الإنكليزي، واجتمع به السيد جمال

الدين في فرضة بوشير في إيران عندما كانت العساكر الإنكليزية تحتل تلك الأنحاء

احتلالا عسكريا. وكان ميرزا شاعرا في اللغة الإنكليزية والفارسية، عارفا

بالعربية، وكان يقول الأشعار يهجو بها صاحب الرسالة، وكان مسلمو تلك الجهات لا

يقدرون على معارضته خشية شره وسطوة الإنكليز. ثم جعل يتردد على السيد

من وقت إلى آخر، فكان السيد يعارضه في سوء ما يقول، وكان عمر السيد يومئذ

عشرين سنة، وكان ذلك أثناء عودته من الحجاز إلى وطنه الأفغان، فكان ميرزا يرد

على السيد كلامه مستهينا به، فامتعض السيد يوما وقال له: أنهاك أن تأتي داري

بعد اليوم، فلم يكترث ميرزا لقوله، وثابر على المجيء، وبقي على عادته

من التفوه بما لا يليق، فهيأ السيد زمرة من شجعان الأفغان وجهزهم بالهراوى

الضخمة، حتى إذا صدر منه ما ضاق صدر السيد عنه قام إليه ولطمه على وجهه بملء

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديث · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديثص ١٤