تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الغيوب، ويطلعون على أسرار المستقبل، والمسألة بعد مسألة حسابية؛ إن غرقت السفينة

لم أجد منهم من يكذبني، وإن سلمت ظفرت بالقداسة من أقرب سبيل. وسمعته مرة يروي

نكتة عن رجلين قال أحدهما لصاحبه يعظه وينصح له: يا أخي لماذا لا تصلي؟ الصلاة فضلها

كذا ومكانتها من العبادات كذا وكذا، صل أربعين يوما فقط، وانظر إذا كان يمكنك بعدها

أن تترك الصلاة؟ فأجابه صاحبه، وأنت يا أخي، اترك الصلاة أربعين يوما، ثم انظر إذا

كان يمكنك بعدها أن تعود إليها. فضحك جلساء السيد لهذه النكتة الدالة على خبث هذا

التارك للصلاة ومحاجته فيها بباطل القول وزور الكلام.

قال لنا السيد: مر بالهند سفير أرسلته حكومته الأمريكية إلى بلاد الصين، ثم ما

لبث وهو في الهند أن اجتمع بالمسلمين وأكثر من مخالطتهم والتمرس بهم، فمال

قلبه إلى الإسلام فأسلم، وحاول أن ينقل الإسلام إلى بلاده وينشره بين الأمريكيين،

وأخبروه بمكانة السيد من العرفان والمقدرة، وأنه يقيم في الآستانة، فكتب السفير كتابا

إلى البرنس «فاضل باشا المصري» يخبره فيه بعزمه على نشر الإسلام في أمريكا، وفي طيه

كتاب آخر منه إلى السيد جمال الدين يطلب منه فيها أن يتهيأ للرحيل معه إلى أمريكا،

وشرح له قصده من هذه الرحلة، وكتب كتابا ثالثا إلى الجمعية الإسلامية في ليفربول

يخبرهم بغرضه أيضا، فأرسل رئيس هذه الجمعية «عبد الله وليم» كتابا إلى «فاضل باشا»

وفي طيه كتاب إلى السيد يحضه فيه على تلبية السفير، وأن يشخص السيد أولا إليهم

في «ليفربول» فيؤلفوا بعثة دينية إسلامية يتولى السيد رئاستها، ويصحبوه برجال من

عندهم يثقون بكفايتهم ومقدرتهم. فلم يسع «فاضل باشا» إلا أن يعرض هذه الرسائل على

السلطان عبد الحميد، فلم يسمح السلطان بذلك ضنا بتلك الجوهرة أن تخرج من صدفتها

الجديدة، ولا أذكر ما إذا كان السيد هو الذي نطق بتلك العبارة (أي: ضنا بتلك

الجوهرة ... إلخ) أو هي من مقولي، والجوهرة هو جمال الدين، وصدفته الجديدة هي الآستانة

التي دعاه السلطان إليها، وأنزله على الرحب فيها ليريح زميله شاه إيران من حملاته - كما

وصفنا آنفا.

وكيف يسمح السلطان للسيد بالسفر إلى أمريكا فينشر ثم من أخبار الآستانة وعجر

المابين وبجره ما يزعج السلطان ويقلق راحته. ومن رأى العبرة في غيره فليعتبر،

وقد جعل عبد الله نديم المصري دعوة السلطان للسيد الأفغاني إلى الآستانة منقبة من مناقب

السلطان، فقال: وساح (أي السيد) في الأقطار، وخالط الأمم، وداخل السياسيين، ودرس

التاريخ الحاضر والماضي، وامتد باعه في العقليات، فأصبح أمة واحدة بين ذوي الفضل، وهذا

الذي دعا مولانا الخليفة الأعظم لاستدعائه إلى عاصمته، وإدخاله في لفيف العلماء الخاص

بمجلسه العالي، فقد أهلته المعارف والتجارب والمخالطة العامة لمسامرة الملوك والنظر

في السياسات، وهذا كله من فضل السيد الأعظم. ا.ه.

وسئل السيد عن رأيه في «عبد الله وليم» الإنكليزي الذي كان أسلم في ذلك العهد،

وألف جمعيته المذكورة، وعما إذا كان اجتمع به؟ فأثنى السيد عليه، وقال إنه على

هدى من أمره. قال: ولما كنت في لندن أرسل «عبد الله وليم» إلي كتابا يدعوني إليه

في «ليفربول»، وحاولت إجابة طلبه؛ غير أن دعوة السلطان إياي إلى الآستانة حالت

دون ذهابي إلى ليفربول.

قال السيد: واستأذنت يوما على السلطان، فعينوا لي يوم الخميس للمقابلة، وجئت يوم

الخميس فقالوا لي: تعال يوم الإثنين، وتكرر هذا منهم، فقلت للحاج علي بك «رئيس القرناء»: إنني لا أجيء إليكم بعد اليوم، ثم اجتمع بالسلطان، قال: فأثنيت على جلالته؛

إذ كان محبا للدين، عاملا على نشره، قال: وطالت المذاكرة بشأن إيفادي إلى أمريكا

حسب طلب السفير الصيني الآنف الذكر، وكاد يتم الأمر، ثم عدلوا عنه ورأوا أن

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديث · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديثص ١٣