تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد اتفق لي فيها أن إنكلترا أرادت أن أكون في الوفد الذي عزمت على إيفاده إلى

الثائر في السودان «محمد أحمد المتمهدي» بقصد مذاكرته في أمر الصلح، وكانت ثورته

الشغل الشاغل لإنكلترا في ذلك الحين. قال السيد: وقد سررت في نفسي من هذه الرحلة إلى

السودان، لما أنه انفتح أمام عيني الطريق إلى خدمة المسألة المصرية، ومعالجة أسباب

إنقاذها من سلطة الإنكليز - لو تم ذلك - لكنه لم يتم بسبب موت المتمهدي.

أما المرة الثالثة التي نزل فيها السيد الأفغاني «لندن» فقد كان الغرض منها مقاومة

نصر الدين شاه، بعد ما كان من سوء معاملته للسيد وهو مريض في «شاه عبد العظيم»، وإبعاده

إلى الحدود التركية كما أمر. وكان السيد إذا ذكر شاه إيران طعن عليه طعنا قبيحا،

ولا يألو في تعديد مثالبه والتهكم به والزراية عليه، وأخذ في لندن يسعى في إلقاء

النفرة بينه وبين إنكلترا. قال: «لأن الشاه طغا وتجبر، وبالغ في الكبر والعتو، وسب

الأشراف والأولياء، وسلم وزارته لوزير شاب جاهل عات ظالم فخرب بلاد إيران، ولم

يجرئه على فعله هذا إلا استناده إلى إنكلترا، فإذا أعلنت إنكلترا أنها لا تؤيده في

أعماله المنكرة هذه سلمت إيران، وعاد إليها الأمن والأمان.»

فكان جل ما يرمي إليه السيد في نزوله «لندن» هو أن يحفظ قلب إنكلترا على الشاه

ووزيره الشاب، وقد بلغ أمنيته هذه بواسطة نشر مقالاته في الصحف والأحاديث عن الشاه في

المحافل؛ حتى صغر الشاه في نفوس الإنكليز، وحقر في أعينهم، وهان قدره

عليهم.

ولم يخف هذا على الشاه، فكبر عليه وتعاظمه وأقلق راحته، فجعل يفكر في

طريق الخلاص من السيد وإخراجه من «لندن»، فرأت حكومته أولا أن ترسل كتابا إلى السيد

بواسطة سفيرها تستعطفه وتقسم عليه بجده المصطفى

صلى الله عليه وسلم

أن يقلع عن مقاومة الشاه

ويكف عن الطعن عليه والوقيعة فيه، وعرضت عليه أن يطلب في مقابل ذلك ما يشاء

ويتمنى، فأجابهم السيد: «لا أتمنى إلى أن تزهق روح الشاه ويشق بطنه، ويوضع في

القبور.»

كل هذا سمعته من فم شيخنا الأفغاني الذي كان يرويه بطلاقة لسان وتوقد جنان.

وما كان أجوده بالأحاديث وقص الأخبار على جلسائه، فقد كان لا يبخل عليهم بجواب، ولا

يعييه خطاب.

هذا فيما يتعلق بالجد من الأمور، أما لحين المطايبة وإرسال النكت، فهو الروض لا

تهدأ عن التغريد أطياره، ولا تألو في نشر الشذى أزهاره. وكنت أتخيل قبل اجتماعي بشيخنا

الأفغاني، وكثرة ما وصفوه لنا بالفلسفة والحكمة أنني سأراه عابس الوجه مهيب السمت شديد

الإطراق قليل الكلام، إذا سئل أجاب بالإيجاز، وأورد كلامه كما تورد الأحاجي والألغاز،

شأن أولئك الذين يسمون أنفسهم فلاسفة أو متفلسفين، ويغمضون فيما يقولون أو يكتبون،

فلا يفهم ما يعنون ويقصدون.

أما فيلسوفنا «الأفغاني»، فما كنا نراه إلا مشرق الوجه، منبسط الأسارير، جذاب

لحظ المقلتين، تبرق عينه وهو يحدث بما يسأل عنه، وتنفرج شفتاه عن ابتسامة لطيفة حين

سماعه النوادر من جلسائه؛ ولهذا أحبه مريدوه، وكثر زواره، وشاعت في الناس

أخباره.

روى الأستاذ عباس محمود العقاد في بعض كلامه على سعد باشا زغلول، وقد بشره (أي

بشر سعدا) يوما أحد أصحاب الرؤى والأحلام بنجاح الوفد في الانتخابات النيابية، فقال

سعد: وماذا عليه؟ إن أخفقنا معشر الوفديين لم نر له وجها، وإن نجحنا جاءنا يطلب

البشارة. ثم تابع سعد حديثه حاكيا حكاية السيد جمال الدين الأفغاني مذ كان مسافرا

في سفينة وقد خيف عليها الغرق، فقال: أخبرنا الشيخ جمال الدين أنه لما رأى الصبية

والنساء وضعاف القلوب في السفينة يضطربون ويهلعون، ذهب يؤكد لهم أشد التوكيد أن سفينتهم

لن تغرق في تلك السفرة، ويقسم لهم إنها لناجية بلا مراء. قال الشيخ: وكان القوم يظنون

في القداسة منذ يرونني بالعمامة الخضراء، فيحسبونني من دراويش الهند الذين يكشفون

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديث · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديثص ١٢