تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أكتب فيها - وقد أراد بها «العروة الوثقى» - فجعل شيخنا الجسر يحتج عليه باختلاف

البيئات وتباين أطوار البلاد، وأن مثله (أي مثل شيخنا الجسر) في انتسابه إلى علم الدين

يزري به - في نظر الناس - الاشتغال بالصحافة، فلم يقبل الأفغاني عذره هذا

بالطبع.

أقول: وقد أيد رأي شيخنا الجسر في الصحافة ومنزلتها يومئذ ما كان بعد ذلك من الشيخ

«أبي خطوة» القاضي الشرعي المصري الكبير، الذي فصل في «مسألة الزوجية»، وحكم بأن

الصحافي ليس كفؤا للشريفات، فقامت قيامة رجال الصحافة المصرية يومئذ وأوسعوا القاضي

لوما وحكمه استنكارا، ومهما يكن؛ فقد كان صنيعه مؤيدا للجسر على الأفغاني

تأييدا لا يقول به الكثيرون من الأفاضل.

وقد كان شيخي الجسر مصلحا دينيا دقيق النظر، لكنه مع هذا بقي طول حياته محافظا

متحفظا شديد الحذر، وأهم ما استفدناه من طريقته في الإصلاح يمكن تلخيصه مما وقع لي

في زمن الحداثة وطلب العلم. ذلك أنني بعد أن تلقيت من دراستي على والدي الاستسلام إلى

كل ما جاء في الكتب الموروثة عن أسلافنا الماضين، والتصديق بنصوصها من دون تردد ولا

ارتياب، عدت فاقتبست من شيخنا الجسر تعاليم فيها شيء من حرية النقد وانطلاق الفكر،

وقد تعلمنا أن النصوص الدينية الموروثة فيها الغث وفيها السمين، وأن بينها ما هو غير

صحيح ولا معقول ولا منطبق على القرآن ولا السنة النبوية الصحيحة، فيجب الانتباه إليه

والتنبيه عليه، والتحذير منه وتمييز غثه من سمينه وحقه من باطله. ولتمييز الحق من

الباطل في نقل الأخبار طريقتان: (1) التدقيق في سند الخبر وروايته، (2) تدقيق النظر

في إمكانية الخبر وعدم إمكانيته، وهذا ما قرره الفيلسوف العربي ابن خلدون في الكتاب

الأول من مقدمته الذي بحث فيه عن طبيعة العمران، فقد قال ثم ما نصه:

وتمحيص الخبر إنما هو بمعرفة طبائع العمران، وهو أحسن الوجوه وأوثقها في

تمحيص الأخبار، وتمييز صدقها من كذبها، وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة. ولا يرجع إلى تعديل الرواة حتى يعلم أن ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع. وأما إذا كان الخبر مستحيلا فلا فائدة للنظر في تعديل الرواة وتجريحهم. ا.ه.

فكأن شيخنا الجسر رحمه الله في دروسه إنما يشرح لنا ما قاله ابن خلدون في نظريته، وقد

علمنا بأن ندقق الخبر، ونعمق النظر، فليس كل نص يقبل، سواء أعقل أو لم يعقل،

بل نزن كل ذلك بميزان القرآن والسنة وطبائع العمران،

الله

الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ، بينما كان والدي -

رحمه الله - بسبب تربيته الأزهرية لا يسمح لي في أن أنحو هذا النحو في النظر والتدقيق

وإعمال الفكر في التفريق بين النصوص الدينية.

غير أني لما اتصلت بالسيد الأفغاني، وأنعمت النظر في دراسة تعاليمه، انتقلت في

حياتي الفكرية إلى الدور الثالث أو الطور الثالث، وهو أن نفهم النص الديني فهما

صحيحا، مراعى فيه قوانين اللغة وقواعد بلاغتها، ونستوثق من مطابقة النص للكتاب

والسنة، ثم نجرأ على التصريح بما فهمناه من النص، سواء أوافق رأي غيرنا أم لا. وقد

اقتبسنا هذه الطريقة في الفهم من أقوال السيد الأفغاني وتعاليمه المروية والمبثوثة في

«العروة الوثقى» أولا، ثم في سائر ما علق بكفنا من كتاباته وكتابات تلميذه

الشيخ محمد عبده ثانيا. فالأساس الذي بني عليه الإصلاح الديني إذن هو تمييز نصوص

الدين، والحرص على فهمها فهما حرا، مستندا إلى قواعد اللغة العربية وقوانين

بلاغتها، ثم الجرأة في الدعوة إلى الصحيح المعقول من تلك النصوص والتعاليم، واطراح

الباطل الدخيل عليها، والجهر بذلك كله من دون جمجمة في قول، أو تقية من ذي صول.

قال السيد الأفغاني لجلسائه، وقد سئل عن رحلاته إلى لندن، إنه ذهب إليها ثلاث مرات،

كان يقصد في إحداها باريس، فألم بلندن إلمامة خفيفة لم تتجاوز خمسة عشر يوما. قال:

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديث · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديثص ١١