تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتوفى سنة بضع وثلاثين وثلاثمائة قد أخذ عن أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي، ولازمه عدة أعوام، ثم بدا له، فترك مذهب الاعتزال، وسلك طريق أبي محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن كلاب، ونسج على قوانينه في الصفات والقدر، وقال بالفاعل المختار، وترك القول بالتقبيح والتحسين العقليين وما قيل في مسائل الصلاح والأصلح، وأثبت أن العقل لا يوجب المعارف قبل الشرع، وأن العلوم وإن حصلت بالعقل فلا يجب البحث عنها إلا بالسمع، وأن الله تعالى لا يجب عليه شيء، وأن النبوات من الجائزات العقلية والواجبات السمعية إلى غير ذلك من مسائله، فسلك طريقا بين النفي الذي هو مذهب الاعتزال وبين الإثبات الذي هو مذهب أهل التجسيم، وناظر على قوله هذا واحتج لمذهبه.

فمال إليه جماعة وعولوا على رأيه، منهم القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المالكي وأبو بكر محمد بن الحسن بن فورك والشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مهران الإسفراييني، والشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، والشيخ أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الغزالي وأبو الفتح عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني والإمام فخر الدين محمد ابن عمر بن الحسين الرازي وغيرهم ممن يطول ذكره، ونصروا مذهبه وناظروا عليه وجادلوا فيه، واستدلوا له في مصنفات لا تكاد تحصر.

فانتشر مذهب أبي الحسن الأشعري في العراق، وانتقل منه إلى الشام وإلى مصر وإلى بلاد المغرب وإلى بلاد الهند، فانتشر في أمصار الإسلام بحيث نسي غيره من المذاهب، وجهل إلا أن يكون مذهب الحنابلة.

والحنابلة أتباع الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - رضي الله عنه - كانوا على ما كان عليه السلف، لا يرون تأويل ما ورد من الصفات إلى أن كان بعد السبعمائة اشتهر بدمشق وأعمالها تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، فتصدى للانتصار لمذهب السلف، وبالغ في الرد على مذهب الأشاعرة وصدع بالنكير عليهم.

هذا، وبين الأشاعرة والسلف طائفة أخرى المعروفة بالماتريدية، أتباع أبي منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي، وهم طائفة الفقهاء الحنفية؛ من الاختلاف في العقائد ما هو مشهور في موضعه، وهو إذا تتبع يبلغ بضع عشرة مسألة، كان بسببها في أول الأمر تباين وتنافر، وقدح كل منهم في عقيدة الآخر إلا أن الأمر آل آخرا إلى الإغضاء، ولله الحمد، انتهى ملخصا من الخطط والآثار للمقريزي.

وإذا عرفت ذلك فاعلم أن للعلماء في الكلام كتبا كثيرة لا تكاد تحصر، فلا بد لنا أن نذكر بعض الكتب المصنفة في هذا الفن.

فمنها التجريد لنصير الدين الطوسي، وشرحه للأصفهاني وعليه حواش لابن مطهر الحلي والسيد الشريف الجرجاني، وشرحه لعلي بن محمد القوشجي وعليه حواش للدواني والشيرازي، ومنها الطوالع للبيضاوي وشرحه للأصفهاني، ومنها أبكار الأفكار للآمدي وشروحه، ومنها المواقف وجواهر الكلام والعقائد العضدية جميعها للقاضي عضد الدين الإيجي، وللمواقف شروح أشهرها شرح المواقف للسيد الشريف الجرجاني، وللعضدية شروح أشهرها شرح الجلال الدواني، ومنها المقاصد وشرحه للتفتازاني، ومنها تهافت الفلاسفة للغزالي وقواعد العقائد والاقتصاد في الاعتقاد كلاهما له، ومنها العقيدة الحافظية للنسفي وشرحه للتفتازاني وحاشيته للفاضل الخيالي وتكملته ليوسف كوسج، ومنها بدء الأمالي قصيدة في العقيدة، ومنها الفقه الأكبر وشرحه للملا علي القاري، ومنها التمهيد لأبي شكور السالمي، ومنها شرح الصحائف إلى غير ذلك من الكتب. (1) مذاهب أهل الهند والكلام عليها

وأما أهل الهند فمنذ فتحها محمد بن القاسم الثقفي في عهد الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي كانوا قريبي العهد من زمن الصحابة - رضي الله عنهم، لا يعرفون إلا القرآن والحديث، ولا يعملون إلا ما صح عن الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، إلى مدة طويلة، فلما انقطعت سلطة الدولة العباسية من الأقطار البعيدة وغلبت الدولة الإسماعيلية على مصر قدم دعاتهم إلى بلاد السند، وأذعن لهم ملوك ملتان بالطاعة - لعلهم في أيام المستنصر العبيدي - وصار الناس إسماعيليين، ثم تتابعت الفتن وتواترت عليهم الوفود من مصر، ودخل القرامطة في بلاد السند، فتفرق الناس ومال بعضهم إلى مذهب الإسماعيلية وبعضهم صاروا قرامطة، ولم يزالوا على تلك الحالة إلى زمن السلطان محمود بن سبكتگين الغزنوي، فإنه لما ولي المملكة وفتح بعض بلاد الهند سار إلى ملتان وقاتل أهلها فأذعنوا له بالطاعة، ولما ملك السلطان شهاب الدين الغوري قاتلهم ثم أخرجهم إلى بلاد گجرات، فصار الناس متفقين على كلمة واحدة، على مذهب الأشاعرة، والسلطة الإسلامية كانت قوية الشوكة لا يستطيع أحد أن يتفوه بأمر يخالف الأشاعرة إلا في نواحي الهند، فلما اضمحلت السلطة وانحلت، وأصبحت الدولة فوضى وتواترت عليهم الوفود من بلاد الفرس، تكاثرت الأهواء والأقاويل المختلفة فيما بينهم. (1-1) الكلام على مذهب القرامطة والحشيشيين

الثقافة الإسلامية في الهند · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الثقافة الإسلامية في الهندص ٨٢