تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

سوى كتاب الله، ولا عرف أحد منهم شيئا من الطرق الكلامية.

فمضى عصر الصحابة - رضي الله عنهم - على هذا، إلى أن حدث في زمانهم القول بالقدر وأن الأمر أنف؛ أي إن الله تعالى لم يقدر على خلقه شيئا مما هم عليه. وكان أول من قال بالقدر في الإسلام معبد بن خالد الجهني، وكان يجالس الحسن بن أبي الحسن البصري فتكلم في القدر بالبصرة، وسلك أهل البصرة مسلكه، فلما عظمت الفتنة به عذبه الحجاج وصلبه بأمر عبد الملك بن مروان سنة ثمانين، ولما بلغ عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - مقالة معبد تبرأ من القدرية.

وحدث أيضا في زمن الصحابة مذهب الخوارج، وصرحوا بالتكفير بالذنب والخروج على الإمام وقتاله، فناظرهم عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - فلم يرجعوا إلى الحق، وقاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وقتل منهم جماعة كما هو معروف في كتب الأخبار، ودخل في دعوة الخوارج خلق كثير.

وحدث أيضا في زمن الصحابة مذهب التشيع لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - والغلو فيه، فلما بلغه ذلك أنكره، وحرق بالنار جماعة ممن غلا فيه، وقام في زمنه عبد الله بن وهب بن سبأ المعروف بابن السوداء السبائي، وأحدث القول بوصية رسول الله

صلى الله عليه وسلم

لعلي بالإمامة من بعده، فهو وصي رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وخليفته على أمته من بعده بالنص، وأحدث القول برجعة علي بعد موته إلى الدنيا وبرجعة رسول الله

صلى الله عليه وسلم

أيضا، وزعم أن عليا لم يقتل، وأنه جيء فيه الجزء الإلهي، وأنه هو الذي يجيء في السحاب وأن الرعد صوته، والبرق سوطه، وأنه لا بد أن ينزل إلى الأرض فيملأها عدلا كما ملئت جورا. ومن ابن سبأ هذا تشعبت أصناف، وصاروا يقولون بالوقف؛ يعنون أن الإمامة موقوفة على أناس معينين، كقول الإمامية بأنها في الأئمة الإثني عشر، وقول الإسماعيلية بأنها في ولد إسماعيل بن جعفر الصادق، وعنه أيضا أخذوا القول بفيئة الإمام والقول برجعته بعد الموت إلى الدنيا، كما يعتقده الإمامية إلى الآن في صاحب السرداب إلى غير ذلك.

ثم حدث بعد عصر الصحابة مذهب جهم بن صفوان ببلاد المشرق، فعظمت الفتنة به؛ فإنه نفى أن يكون لله تعالى صفة، وأورد على أهل الإسلام شكوكا أثرت في الملة الإسلامية آثارا قبيحة، تولد عنها بلاء كبير، وكان قبيل المائة من سني الهجرة، فكثر أتباعه على أقواله التي تئول إلى التعطيل، فأكبر أهل الإسلام بدعته، وتمالئوا على إنكارها وتضليل أهلها، وحذروا من الجهمية، وعادوهم في الله، وكتبوا في الرد عليهم ما هو معروف عند أهله.

وفي أثناء ذلك حدث الاعتزال من زمن الحسن بن أبي الحسن البصري بعد المائة من سني الهجرة، وصنفوا فيه مسائل في العدل، والتوحيد، وإثبات أفعال العباد، وأن الله تعالى لا يخلق الشر، وجهروا بأن الله لا يرى في الآخرة، وأنكروا عذاب القبر على البدن، وأعلنوا بأن القرآن مخلوق محدث؛ إلى غير ذلك من مسائل؛ فتبعهم خلائق في بدعهم، وأكثروا من التصنيف في نصرة مذهبهم بالطريق الجدلية، فنهى أئمة الإسلام عن مذهبهم، وذموا علم الكلام، وهجروا من ينتحله.

ثم حدث مذهب التجسيم المضاد لمذهب الاعتزال، فظهر محمد بن كرام السجستاني زعيم الطائفة الكرامية بعد المائتين من سني الهجرة، وأثبت الصفات حتى انتهى فيها إلى التجسيم والتشبيه، وتبعه خلق كثير لا يحصون لكثرتهم.

ثم حدث مذهب القرامطة المنسوبين إلى حمدان الأشعث المعروف بقرمط في سنة أربع وستين ومائتين، فانتشرت دعايته بأقطار الأرض فدخل جماعات من الناس في دعوتهم، ومالوا إلى قولهم الذي سموه علم الباطن، وهو تأويل شرائع الإسلام وصرفها عن ظواهرها إلى أمور زعموها من عند أنفسهم.

هذا، وقد كان المأمون بن هارون الرشيد العباسي ببغداد لما شغف بالعلوم القديمة بعث إلى بلاد الروم من أتى بكتب الفلاسفة وعرب له في أعوام بضع عشرة سنة ومائتين من سني الهجرة، فانتشرت مذاهب الفلاسفة في الناس، واشتهرت كتبهم بعامة الأمصار، وأقبلت المعتزلة والقرامطة والجهمية وغيرهم عليها، وأكثروا من النظر فيها والتصفح لها، فانجر على الإسلام وأهله من علوم الفلاسفة ما لا يوصف من البلاء والمحنة في الدين، وعظم بالفلسفة ضلال أهل البدع وزادتهم كفرا إلى كفرهم.

الثقافة الإسلامية في الهند · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الثقافة الإسلامية في الهندص ٨١