7
أشهر بلاد الهند وأرفعها منارا للعلم، نهض من كل قرية من قراها خلق كثير من العلماء، أشهرها: بلگرام، وهرگام، وجائس، ونيوتني، گوپامؤ، وأميتهي، وسنديلة، وكاكوري، وخير آباد، وأما الآن فإنها مقابر للأسلاف. (2) تقسيم نظام الدرس
وإني جعلت نظام الدرس على أربع طبقات بحسب التغيرات الزمانية؛ ليتيسر الوقوف عليه، ووصلت إلى ذلك المقام الرفيع بعد شق النفس والجهد البليغ الذي لا يقدره حق قدره إلا من ألقى نفسه في هذه المتاعب: (2-1) الطبقة الأولى
نبدؤها من أوائل القرن السابع إلى القرن التاسع، فامتدت إلى مائتي سنة تقريبا، وكان معيار الفضيلة في هذه الأزمنة من الفنون؛ النحو والبلاغة والفقه وأصول الفقه والمنطق والكلام والتصوف والتفسير.
أما في النحو:
فالمصباح، والكافية، ولب الألباب للقاضي ناصر الدين البيضاوي، ثم الإرشاد للقاضي شهاب الدين الدولة آبادي، ثم حواشي الكافية له ولبعض تلامذته.
وفي الفقه:
المتفق، ومجمع البحرين، والقدوري، والهداية.
وفي أصول الفقه:
الحسامي، والمنار، وشروحه، وأصول البزدوي.
وفي التفسير:
المدارك، والبيضاوي، والكشاف.
وفي التصوف :
العوارف والتعرف، والفصوص، ثم نقد النصوص، واللمعات للعراقي.
وفي الحديث:
مشارق الأنوار للصغاني، ومصابيح السنة للبغوي.
وفي الأدب:
مقامات الحريري وكانوا يحفظونها، كما نقل عن الشيخ نظام الدين البدايوني أنه قرأ المقامات على الشيخ شمس الدين الخوارزمي وحفظ منها أربعين مقامة.
وفي المنطق:
شرح الشمسية.
وفي الكلام:
شرح الصحائف، وبعضهم كانوا يقرءون العقيدة النسفية، والقصيدة اللامية، والتمهيد لأبي شكور السالمي أيضا.
معيار الفضيلة في هذه الطبقة
اعلم أن معيار الفضيلة ينقلب على مر الدهور ومضي العصور، فكان الفقه وأصوله معيار الفضيلة لأهل هذه الطبقة، كما أن المنطق والحكمة معيارها في هذا الزمان، فكان الفقه عمدة بضاعتهم ذلك اليوم؛ ولذلك كثرت فيهم الفتاوى والروايات، ورفض عرض الفقه على الكتاب والسنة وتطبيق المجتهدات بالسنن المأثورة عن النبي
صلى الله عليه وسلم ، وكان قصارى نظرهم في الحديث «مشارق الأنوار للصغاني»، فإن ترفع أحد إلى مصابيح السنة للبغوي، ظنوا أنه قد وصل إلى درجة المحدثين، وما ذاك إلا لجهلهم بالحديث.
حكي عن الشيخ نظام الدين البدايوني أنه كان يسمع الغناء والعلماء ينكرون عليه في ذلك، فلما أصر الشيخ على السماع رفعوا تلك القصة إلى غياث الدين تغلق شاه الدهلوي ملك ذلك العصر، فأمر السلطان بإحضار الشيخ، وأمر الفقهاء والقضاة أن يناظروه في تلك المسألة، فعرض الشيخ نظام الدين المذكور الأحاديث المروية في إباحة السماع، فردها الفقهاء، وقالوا: إن الروايات الفقهية مقدمة على الأحاديث في بلدنا هذا. وقال بعضهم: إنا لا نشتهي أن نسمع هذه الأحاديث التي تمسك بها الشافعي وهو عدو مذهبنا. فانظر إلى هذه الأقوال الواهية المخذولة المطرودة، وما تفوهوا بها إلا بجهلهم بالحديث، أعاذنا الله سبحانه من ذلك.
وحكي أن الشيخ شمس الدين المصري المحدث قدم الهند في أيام السلطان علاء الدين الخلجي، فلما وصل إلى ملتان ولقي بها الفقهاء وسمع كلامهم رجع إلى بلاده، وبعث رسالة إلى السلطان المذكور وشنع فيها على أن الفقهاء في بلاده لا يعتنون بأحاديث النبي المعصوم
صلى الله عليه وسلم ، ولكن الفقهاء لما وقفوا على تلك الرسالة منعوها عن السلطان المذكور، ذكره القاضي ضياء الدين البرني في تاريخه. (2-2) الطبقة الثانية
خربت ملتان في آخر القرن التاسع، فخرج العلماء من درياهم فسكن بعضهم ببلدة لاهور وبعضهم انتقل إلى غير ذلك المقام، منهم الشيخ عبد الله بن الهداد العثماني التلنبي، فإنه وفد إلى دهلي، وصاحبه عزيز الله ذهب إلى سنبهل، فاحتفى بهما السلطان إسكندر بن بهلول اللودي ملك الهند ورفع منزلتهما، حتى إنه كان يجيء عند عبد الله المذكور بنفسه ويختفي في إحدى زوايا المدرسة ويحتفظ بدروسه، وكان عبد الله المذكور من تلامذة عبد الله اليزدي شارح التهذيب، فأدخل المطالع والمواقف لعضد الدين الإيجي، ومفتاح العلوم للسكاكي في دروس العلماء، فتلقاها الناس بالقبول وصارت متداولة في زمانه. قال عبد القادر بن ملوك شاه البدايوني في تاريخه: إن الشيخ عبد الله التلبني بدهلي والشيخ عزيز الله ببلدة سنبهل كانا من العلماء الكبار في عهد السلطان إسكندر بن بهلول اللودي، قدما من بلدة ملتان بعد خرابها فروجا العلوم العقلية في هذه البلاد، وما كان قبلهما في نظام الدرس غير شرح الصحائف في الكلام، وغير شرح الشمسية في المنطق. انتهى.