1
وأردفناه «بجنة المشرق ومطلع النور المشرق» ورتبناه على ثلاثة فنون، الأول في الجغرافية، والثاني في التاريخ، والثالث في الخطط والآثار، رأينا أن نتبع ذلك بكتاب مختصر نترجمه «بمعارف العوارف في أنواع العلوم والمعارف» نودعه لمعا من تاريخ نظام الدرس جيلا بعد جيل، وتاريخ الفنون الأدبية من النحو والصرف والاشتقاق واللغة والبلاغة والعروض والقافية والإنشاء والشعر والتاريخ والجغرافية، ثم تاريخ العلوم الشرعية الدينية من الفقه وأصول الفقه والحديث والتفسير والتصرف والكلام، ثم تاريخ الفنون النظرية من آداب البحث والمنطق وعلمي الطبيعة والإلهيات والحكمة العملية والفنون الرياضية والصناعة الطبية، ثم تاريخ الشعر والشعراء؛ كل ذلك فيما يتعلق بالهند، ونذكر فيه ما أدى إليه نظري من الكتب المصنفة في إقليم الهند.
على أنا نعتذر من سهو إن عرض في كتابنا مما لا يسلم منه من لحقته غفلة الإنسانية وسهوة البشرية، ونحن آخذون فيما به وعدنا، وله قصدنا، وبالله نستعين وإياه نسأل التوفيق، ونرجو أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
| المقدمة في تاريخ نظام الدرس جيلا بعد جيل
التمهيد
اعلم أن تاريخ علماء الهند في غاية الخفاء، لا تكاد تسمع ذكرهم وتنظر في الكتب أخبارهم؛ ولذلك ترى أن «عين العلم» كتاب مشهور ومصنفه من أهل الهند، ولكنك لا تعلم أنه من هو ولا أين كان، وكذلك مصنفو الفتاوى التاتارخانية والفتاوى الحمادية والفتاوى الهندية ومطالب المؤمنين ودستور الحقائق وكتب أخر، وإلى الله المشتكى، من صنيع أهل الهند، فإنهم بذلوا جهدهم في إحياء مآثر الملوك والأمراء والمشايخ والشعراء، ولم يتصدوا بتقييد أخبار العلماء، ولما بلغ الحال إلى ذلك الحد فكيف تطمع أن تطلع على تاريخ نظام الدرس جيلا بعد جيل؟
ولكني تصفحت كتبا كثيرة من تاريخ الملوك والشعراء وطبقات المشايخ ومكتوباتهم وملفوظاتهم، وأخذت شيئا شيئا منها حتى أحطت بما لم يحط به أحد قبلي، وذلك من منن الله سبحانه على هذا العبد الفقير وتوفيقه، ولله الحمد. (1) العلم بأرض الهند
اعلم أن الإسلام ورد الهند من جهة خراسان وما وراء النهر، فانعكست أشعة العلم على الهند من قبل تلك البلاد، وكانت صناعة أهلهما من قديم الزمان فنون الفلسفة وحكمة اليونان، وكان قصارى نظرهم في علم النحو والفقه والأصول والكلام على طريق التقليد، فلما بلغ الإسلام إلى الهند وصارت بلدة ملتان
1
مدينة العلم، نهض من تلك البلدة جمع كثير من العلماء، ثم لما صارت لاهور قاعدة الملك في أيام الغزنوية صارت مركزا للعلوم والفنون، ثم لما افتتح الملوك الغورية مدينة دهلي وجعلوها عاصمة للبلاد المفتوحة من الهند صارت مرجعا ومآبا للعلماء، حتى وفد إليها أرباب الفضل والكمال من كل ناحية وبلدة، فدرسوا وأفادوا عهدا بعد عهد، ولم تزل كذلك إلى آخر عهد الملوك التيمورية.
وأما بلاد گجرات،
2
فعن البحر حدث ولا حرج، فإنها كانت مهادا للعلماء من سالف الزمان، وفد إليها أهل العلم من شيراز ومن أرض اليمن، نحو البدر الدماميني والخطيب الكاذروني والعماد الطارمي، فدرسوا بها وتخرج عليهم جماعة من الفضلاء، وانتشر العلم في كل ناحية من نواحي گجرات وأرض الدكن
3
وأرض مالوه.
4
وأما بلدة جونپور،
5
فإنها صارت مدينة العلم بعد اضمحلال السلطة بدهلي في الفتنة التيمورية، فوفد إليها العلماء من دهلي كالشيخ أبي الفتح ابن عبد الحي بن عبد المقتدر الدهلوي والشيخ أحمد بن محمد التهانيسري والقاضي شهاب الدين الدولة آبادي وغيرهم، فاشتغلوا بالتدريس، ونشأ من جونپور الأجلاء، وانتشر العلم في كل ناحية من نواحي المشرق.
وأما بلدة لكهنؤ،
6
فقد استضاءت بجونپور ونشأ منها الأجلاء، آخرهم الشيخ نظام الدين السهالوي، وهو الذي رتب نظام الدرس فتلقاه العلماء بالقبول، ونهض من عشيرته الأجلاء. وقد كانت أرض الأوده