تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل السابع

| في علم الأدب والإنشاء والشعر

اعلم أن المقصود من علم الأدب عند أهل اللسان؛ ثمرته، وهي الإجادة في فني المنظوم والمنثور على أساليب العرب العرباء ومناحي الأدباء القدماء، فيجمعون لذلك من حفظ كلام العرب ما عساه تحصل به الملكة، من شعر عالي الطبقة، وسجع متساو في الإجادة، ومسائل من النحو واللغة مبثوثة أثناء ذلك متفرقة، يستقرئ منها الناظر في الغالب معظم قوانين العربية مع ذكر بعض أيام العرب ليفهم به ما يقع في أشعارهم منها، وكذلك ذكر المهم من الأنساب الشهيرة والأخبار العامة، والمقصود بذلك كله أن لا يخفى على الناظر فيه شيء من كلام العرب وأساليبهم ومناحي بلاغتهم إذا تصفحه؛ لأنه لا تحصل الملكة من حفظه إلا بعد فهمه، فيحتاج إلى تقديم جميع ما يتوقف عليه، ثم إنهم إذا عرفوا هذا الفن، قالوا: هو حفظ أشعار العرب، وأخبارها، والأخذ من كل علم بطرف، يريدون من علم اللسان أو العلوم الشرعية من حيث متونها فقط، وهي القرآن والحديث؛ إذ لا مدخل لغير ذلك من العلوم في كلامهم إلا ما ذهب إليه المتأخرون عند تكلفهم لصناعة البديع من التورية في أشعارهم، وترسلهم بالاصطلاحات العلمية، فاحتاج صاحب هذا الفن حينئذ إلى معرفتها قائما على فهمها.

ثم اعلم أن الجولان في لوح الأدب حق للأئمة الفصحاء من العرب، فإنهم صعدوا في قمم أطواده وبلغوا قصارى أنجاده، ولعمري إن أزهار الفصاحة باسمة بنسائمهم، وأرجاء البلاغة فائحة بسائمهم. فلما ألف الإسلام بين الأمم ووقعت مخالطة العرب والعجم، وجلس الخلفاء في بغداد وأمهم الخلائق من شواسع البلاد، واكتسبت العجم الفصاحة من العرب العرباء وتجاوبوا على سنتهم في هذه الدوحة العلياء، لا سيما من كان قريبا من دار الخلافة وجارا متصلا بمركز الشرافة كما تشهد به يتيمة الدهر للثعالبي، ودمية القصر للباخرزي، وسلافة العصر للشيرازي، وريحانة الألباء للخفاجي، وغيرها من الكتب.

وأما أهل الهند فإنهم ليسوا من هذا العلم في ورد ولا صدر، ولا نخل لهم بوادية ولا سدر، والوجه ما قلنا فيما تقدم، أن الإسلام ورد الهند من جهة خراسان وما وراء النهر، وكانت غالبة على أهلهما فنون الفلسفة فاختارها أهل الهند، وانتشر فيهم النحو واللغة والفقه على سجية علماء ما وراء النهر، وأصوله والكلام، ولما كان غالبهم الفرس والأتراك كانت منشآتهم باللغة الفارسية. (1) فمن أدباء الهند

الشيخ سعد بن مسعود بن سلمان اللاهوري، وهو أول من برع في العلوم العربية من أهل الهند، وأكثر في الشعر وجمع ديوانا له ولكنه طارت به العنقاء، ومن شعره قوله:

ثق بالحسام فإنه ميمون

واركب وقل للنصر كن فيكون

ومنهم الأمير خسرو بن سيف الدهلوي، فإنه مع براعته في لغة الفرس كان ماهرا بالعلوم العربية؛ من النحو والمعاني والبيان والبديع والعروض والقافية وغيرها، ومن مستخرجاته نوع في البديع، وله أبيات رائقة بالعربية، منها قوله:

يا عاذل العشاق دعني باكيا

إن السكون على المحب محرم

من بات مثلي فهو يدري حالتي

طول الليالي كيف بات متيم

ومنهم القاضي عبد المقتدر بن ركن الدين الدهلوي المتوفى سنة 791ه، كان من الشعراء المفلقين له قصيدة لامية، منها قوله:

يا سائق الظعن في الأسحار والأصل

سلم على دار سلمى وابك ثم سل

ياطالب الجاه في الدنيا تكون غدا

على شفا حفرة النيران والشعل

يا طالب العز في العقبى بلا عمل

هل تنفعنك فيها كثرة الأمل

يا من تطاول في البنيان معتمدا

على القصور وخفض العيش والطول

لأنت في غفلة والموت في أثر

يعدو وفي يده مستحكم الطول

اقنع من العيش بالأدنى وكن ملكا

إن القناعة كنز عنك لم يزل

ومنهم الشيخ أحمد بن محمد التهاپنسري كان من الأدباء المشهورين في عصره، له قصيدة دالية، مطلعها:

أطار لبي حنين الطائر الغرد

الثقافة الإسلامية في الهند · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الثقافة الإسلامية في الهندص ١٦