ومنهم عز الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأنصاري العابدي، شيخ الأطباء في عصره، له التذكرة الهاوية في ثلاثة مجلدات، كتاب مفيد جليل القدر، جمع فيه الأدوية المفردة على ترتيب الأعضاء والعلل، وضم إليه فوائد من مجرباته ومجربات غيره، وله شرح بسيط على الموجز مات سنة 690، ومنهم قطب الدين إبراهيم بن علي بن محمد المصري المعروف بالرازي، له كتب كثيرة في الطب والحكمة، منها شرح كليات القانون لابن سينا، قتل بمدينة نيسابور عندما استولى التتر على بلاد العجم، ومنهم شرف الدين إسماعيل الخوارزمي، كان طبيبا عالي القدر وافر العلم، وجيها في الدولة، عظيم المنزلة عند علاء الدين خوارزم شاه، له الذخيرة الخوارزم شاهية بالفارسي في مجلدات، والخف العلائي، وكتاب الأغراض، وكتاب «ياد گار» كلها بالفارسي، ومنهم برهان الدين نفيس بن عوض بن حكيم المتطبب الكرماني أحد العلماء المشهورين في الطب، له شرح الأنساب والعلامات للسمرقندي، صنفه سنة 827، وشرح الموجز، ومنهم الشيخ داود بن عمر الضرير الأنطاكي الفاضل الماهر في الصناعة الطبية له تذكرة أولي الألباب الجامع للعجب والعجاب، واستقصاء العلل وله كتب أخرى، مات بمكة المكرمة سنة 1008، ومنهم الحكيم محمد مؤمن بن محمد زمان التتكانبي الديلمي، صاحب تحفة المؤمنين، كان من كبار الأطباء وكتابه التحفة من أجل الكتب وأنفعها في الأدوية المفردة، صنفه سنة 1080. (5) الاكتشافات الطبية لأهل الإسلام
أطباء الإسلام قبضوا على ناصية الطب وبرعوا فيه، ونبغ منهم أطباء اشتهروا بمعلوماتهم ومؤلفاتهم، واكتشفوا أشياء لم تكن في العهد السالف؛ منها أنهم أول من بحث في الحميات النفطية، كالجدري والحصبة، والحمى القرمزية، وهم الذين لطفوا المسهلات، وحسنوا صناعة التقطير والتخمير، وتشكيل الأواني الكيمياوية بأشكال ليسهل بها التناول، واستخرجوا الكثير من الأملاح المعدنية، وكانت لهم اليد الأولى في فن تركيب العقاقير، فوضعوا أسه، ووطدوا أركانه، وهم أول من اخترع السواغات؛ لإذابة الأصول الفعالة للأدوية النباتية والمعدنية والحيوانية، واخترعوا الأنبيق، ووضعوا الأسماء التي لا تزال مستعملة عند الإفرنج، كالكحول والشراب، واستعملوا التراكيب الحديدية والكبريتية، والنحاس والزرنيخ وحمضه والزئبق، وجنوا من اشتغالهم بالكيمياء الفوائد الجمة، وتميزوا في الأدوية المفردة وتصحيح ما ذكره القدماء من أسماء الأدوية، وصفاتها وتفصيل قواها، وتحديد درجاتها، واكتشفوا أدوية لم يذكرها القدماء، وسافروا إلى المواضع التي اختص كل منها بشيء من النبات؛ من بلاد الروم والشام ومصر والعراق وأقصى بلاد المغرب ، فشاهدوها، واعتبروا لونها ومقدار ورقها وأغصانها وأصولها، وصوروها إبان نباتها وطراوتها، ثم عند كمالها وظهور برزها، ثم عند يبسها، وصنفوا في ذلك كتبا، وكذلك تميزوا في الكحل والجراح وأعمال اليد، وصححوا الآلات القديمة، واخترعوا آلات أخرى لتسهيل العمل، وصوروها في كتبهم، كما فعل الزهراوي في التصريف، واستعملوا طب الخيل وهي البيطرة وطب الطيور وهي الزردقة.
قال البستاني في دائرة المعارف: قد اخترعوا (أطباء العرب) جملة أسماء للأدوية لم تزل موجودة إلى الآن، كالكحول والرب واللعوق والجلاب والشراب والكافور وزيت النفط والعطر وغير ذلك، وهم أول من اخترع السواغات لإذابة الأصول الفعالة للأدوية، سواء كانت معدنية أو نباتية أو حيوانية، واخترعوا الأنبيق والتقطير والتسامي، ووضعوا في أيام الخلفاء قانونا أقراباذينيا، كانت جميع التراكيب الأقراباذينية المذكورة فيه مثبتة من طرف الحكومة، لا يجهر بخلافها.
وكانت مصنفات ابن سينا في الأقراباذين دستور الصيادلة، ثم ظهر كتاب ابن التلميذ، فعمل به أطباء القرن السابع للهجرة، وجرى عليه جميعهم، وكان مذكورا فيه ثمن كل تركيب أقراباذيني، ثم اشتهر ابن رشد واخترع جملة أشربة ومعاجين ومربيات وهلامات، ويظهر من تصانيفه أنه مهر في درس العقاقير، وبحث عن أصولها الفعالة وكيفية فصلها، فاخترع جملة خلاصات، وفصل جملة راتنجات، وجهز عدة صبغات خلية ونبيذية وكحولية، وعدة زيوت طبية، وأما الرازي فذكر في كتابه الزيج الأصفر والأحمر والبورق، واستعمل الكحول لإذابة عدة استحضارات أقراباذينية، وكان يستعمل في تراكيبه الحديد والكبريت والنحاس وحمض الزرنيخ والزئبق والأنيتمون والخارصين.