تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألا إن المشاهدات دالة على أن جميع الأمم التي تستعمل حروف الحركة في كتابتها هي الأمم الراقية علميا وصناعيا، هم أهل أوروبا وأمريكا إطلاقا. لا تحتج باليابان؛ فإنهم في علمهم وصناعتهم لم يقتصروا على لغتهم المزعنفة الرسم الكتابي، بل إني سمعت أنهم من زمن مديد أنشئوا في بلادهم عدة جامعات تدرس بالإنجليزية على النظام الإنجليزي، وبالألمانية على النظام النمساوي. فعلماؤهم وطلبتهم الجامعيون الكثيرون يعرفون الإنجليزية والألمانية، وقد يعرفون غيرهما من لغات أوروبا.

أما الأمم التي لا حروف حركات عندها كالصين وإيران والترك (قبل الآن) والعرب، فكلها من الأمم المتأخرة علميا وصناعيا. ولا تستشكل بالإسرائيليين، ولغتهم العبرانية هي كالعربية، لا حروف حركات فيها، لا تستشكل فإن الإسرائيليين متفرقون في كل البلاد الراقية، عارفون بلغاتها! فهم قوم عالميون. وإني وإن كنت لا أعرف شيئا في العبرانية إلا أني سألت سيادة الحاخام الأكبر الموجود بيننا بالمجمع ، فعلمت منه أمرين: «أولهما» أن حروف كل كلمة تكتب منفصلة لا متصلا بعضها ببعض. و«ثانيهما» أن أواخر الكلمات تلزم دائما حالة واحدة ولا تتغير بتغير العوامل الداخلة عليها. وهما أمران في غاية الأهمية؛ لأن أولهما يوحد شكل الحروف ويمنع اللبس الناشئ عن التصاقها. وثانيهما - على الأخص - يعفي أهل تلك اللغة من مصيبة الإعراب وضرورة تغيير الحرف الأخير من الكلمة تبعا لوظيفتها في الكلام.

وجوب تغيير رسم الكتابة العربية

إذن فأول واجب على أهل اللغة العربية هو أن يبحثوا عن الطريقة التي تيسر لهم كتابة هذه اللغة على وجه لا تحتمل فيه الكلمة إلا صورة واحدة من صور الأداء. ولقد علمت أن تشكيل الكلمات ضار، فلا بد من التفكر في طريقة أخرى تؤدي هذا المراد.

خطر بفكر أحد زملائنا أن يعالج المسألة لا من جهة الرسم، بل من جهة الإعراب؛ وذلك بحذف حركاته وتسكين أواخر الكلمات. وكان من السهل إجابته إلى فكرته؛ لأن موضوعها ليس غريبا عن أصل العربية، بل هو يوافق بعض لهجاتها القديمة. وقد قرئت آية:

ويضيق صدري ولا ينطلق لساني

مثلا، من القرآن الشريف هكذا: «ويضيق صدري ولا ينطلق لساني» بتسكين القاف في الكلمتين، غير أن الذي يمنع قبول هذه الفكرة أنها إذا تحققت عملا أخلت إخلالا كليا بكل ما وصل إلينا من شعر الجاهلية وشعر المسلمين وغير المسلمين إلى اليوم؛ لأنك إذا فكرت مثلا في تسكين كلمات البيت الأول من بيتي عنترة السابقين، وجعلته «فارتاع من وقع القنا بلبانه، وشكا إلي بعبرة وتحمحم» لأخللت بوزنه حتما وصيرته كلاما منثورا عاديا لا رونق له ولا روعة. ومن جهة أخرى فإن هذا العلاج إذا كان يزيل صعوبة الإعراب، فإنه لا يفيد شيئا في الصعوبة الآتية من تغير الصيغ والصور للكلمة الواحدة. فقد رأيت أن لفظ «قد» له صور مختلفة، ومهما سكنت آخره فلا يفيدك ذلك شيئا في بيان تلك الصور المختلفة وفهم مدلولها، وأظن أن حضرة الفاضل صاحب الفكرة لاحظ ما عليها من هذه الاعتراضات فلم يقدم بها اقتراحا للمجمع.

إن مجلس المجمع - لآخر مرة - أحال على لجنة الأصول اقتراحا قدم له خاصا بتيسير كتابة العربية، وتلك اللجنة ندبت من بينها من يفحصون هذا الاقتراح، فاشتغل حضرة زميلنا الأستاذ علي بك الجارم بهذا الموضوع شغلا متواصلا يستحق كل حمد وثناء، ثم قدم للجنة تقريرا، أساس الفكرة فيه استبقاء رسم الكلمات العربية كما هو بحروفه المعروفة، وأن تكمل الحروف ذاتها في الكلمة التي هي منها بزوائد تدل على الكسر والضم والسكون والتنوين البسيط، وأن يلصق بالشدة المنونة حركاتها الثلاث، على أن كل حرف لا تزاد فيه علامة يعتبر مفتوحا، وفي التقرير استثناءات لبعض الأحوال.

اطلعت اللجنة على هذا التقرير فقدمت لها ملاحظاتي عليه شفهيا، ثم بالكتابة. كما قدم حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ إبراهيم حمروش ملاحظاته عليه كتابة. ومجمل هذه الملاحظات أن الرسم الذي فكر فيه الأستاذ الجارم بك يزعنف الرسم الحالي ويزيده ارتباكا، ويوقع في اللبس متى قورن ببعض طرق الكتابة الحالية. وأنه من الصعب تعويد التلاميذ إياه؛ لأنه فضلا عن ارتباكه، فإن من قواعده ما يتوقف على معرفة بعض قواعد الصرف ابتداء. وقد وعد الأستاذ بأن يدرس تلك الملاحظات مع بعض الاختصاصيين في فن الطباعة ويبدي للجنة رأيه الأخير، وكان ذلك قبيل عقد المؤتمر فلم يسعه تقديم تقريره طبعا.

الحروف اللاتينية لكتابة العربية · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحروف اللاتينية لكتابة العربيةص ٦٠