إن رسم الكتابة العربية هو الكارثة الحائقة بنا في لغتنا، إنه أكبر عون لقانون التطور، وللإحساس بما فيها من الصعوبات، وللالتفات عما يزينها من جمال.
إنه رسم لا يتيسر معه قراءتها قراءة مسترسلة مضبوطة حتى لخير المتعلمين؛ وذلك لخلوه من حروف الحركات.
لقد عالج أسلافنا الاستعاضة عن حروف الحركات بالشكلات، للفتح والضم والكسر والسكون والمد والشد والتنوين، ولكن ظهر في العمل أن هذه الوسيلة لا فائدة فيها، بل هي مجلبة لكثير من الأضرار؛ لأن الشكلة المنفصلة عن الحرف كثيرا ما تقع على حرف قبله أو بعده؛ لعدم ضبط يد الكاتب الأصلي أو الناسخ أو الطابع، فيرتبك الفهم للخطأ في استعمال وسيلة النطق الصحيح. ولذلك جرى الناس في الكتابة العادية، وفي الصحف وكتب الأدب، وكافة الأعمال بالدوائر الحكومية على إهمال الشكل، فأصبح لا يوجد في غير القرآن الكريم ومعاجم اللغة إلا نادرا.
وأنت عليم بأن عدم وجود علامات الحركات ولا حروف الحركات يجعل الكلمة مركبة من حروف أصوات جوهرية، لا تعرف حركاتها بادئ الرأي فيصحفها القارئ غير المتمرن، على جميع أوضاع الحركات التي تحتملها الحروف. أما المتمرن فإنه يعرض نفسه لحلول عينيه؛ إذ هو لا يقع بصره على الكلمة إلا وهو يجيله فيما بعدها من الكلمات حتى يعرف معنى تلك الكلمة، أهي اسم أو حرف أو فعل، وما وظيفتها في الجملة، وماذا تستحقه من البناء أو حركات الإعراب.
وهذه المشقة تحملني على الاعتقاد بأن اللغة العربية من أسباب تأخر الشرقيين؛ لأن قواعدها عسيرة، ورسمها مضلل. فمن تحدث في نفسه فكرة مفيدة للناس ويحب نشرها فيهم بالكتابة أو الخطابة، يأخذه خوف انتقاد عبارته فيكتم فكرته في نفسه ويميتها، أو هو ينشرها بلغة من اللغات الأجنبية التي أصبحت عند كثير من الشرقيين أيسر عليهم من لغتهم العربية.
إنا - أعضاء هذا المؤتمر وكثيرا من أمثالنا، أو ممن يفوقوننا - قد لا نحس بسخف هذا الرسم لتعودنا إياه، ولكن اكتب لرجل من الإنجليز حرفي
H S
وكلفه نطق الكلمة التي قد يشخصانها، فإنه يقول لك إنهما لا يشخصان شيئا، بل قد يكونان من رموز علم الجبر أو علم الكيمياء. فإن استدرجته ورجوته أن يفكر فيما يدلان عليه من المعنى لو أضيف إليهما بعض حروف الحركات، فخمن ثم قال لك إنهما يمثلان كلمة
Has ، فإن قلت له كلا، ففكر ثم قال لك لعلها كلمة
His ، فإن قلت له كلا، إنهما يشخصان كلمة
House ، فهذا الإنجليزي إن كان مؤدبا ولاك ظهره استحماقا لك وانصرف صامتا، وإن كان غير مؤدب - وهذا نادر - قال لك
God damn ، وربما ناولك ضربة على فيك بجمع يده
Box . ومثل الإنجليزي الأمريكاني والفرنساوي والألماني وغيرهم من الأمم التي تستعمل حروف الحركة في كتابة لغتها.
لكن مصر وبابل هما موطن السحر القديم، ومهبط هاروت وماروت، وهما وكل الشرق موطن الإلهام والإشراقات الباطنية!
ولقد يخيل إلي أن سلفنا - من طالح قبل الإسلام، وصالح من بعده - قد اعتمد على هاتين الخصيصتين، فأرسل رسم الكتابة العربية هكذا طلاسم مستغلقة مبهمة، واكلا أمر الناس في فكها إلى السحر، وما ينقذف في القلوب من الإلهامات والإشراقات. وإلا فقل لي بربك: إذا كنت أوشكت مع الإنجليزي الثاني أن تتقاتلا وترفعا أمركما إلى الشرطة وإلى القضاء، أفلا تجد أن أمثال
hs
متكرر أمامك في كل لحظة، وبدل أن تتقاتل أنت وغيرك فإنك تقاتل نفسك وتضنيها؟!
خذ أبسط كلمة مثل «قد»، إنها تصور لك حرف التحقيق، وتصور لك قامة الإنسان «قد»، وتصور لك فعلا ماضيا «قد» بمعنى قطع، وماضيا مبنيا للمجهول «قد» أي قطع، وفعل أمر بمعنى اقطع «قد»، وهي صيغة مشتركة في النطق مع المبني للمجهول، وفعل أمر آخر «قد». ولا أدري كم مدلولا آخر تصوره أو لا تصوره!