2
على أنه لا محل لدرس هذه الملاحظات مع اختصاصيين أو غير اختصاصيين، فإن الناس في كتابتهم يستعملون الخط الرقعي عادة، على اختلاف بينهم في الجودة والقبح، وهذه المخطوطات الرقعية لا بد - طبعا - أن تتمشى عليها القواعد الجديدة، فلا يفيدهم عمل الاختصاصي في الطباعة فائدة ما.
لقد فكرت في هذا الموضوع من زمن طويل، فلم يهدني التفكير إلا إلى طريقة واحدة؛ هي اتخاذ الحروف اللاتينية وما فيها من حروف الحركات بدل حروفنا العربية كما فعلت تركيا.
أخطر هذا في بالي أني عقب أن أمر المرحوم مصطفى كمال باستبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية التي كانت مستعملة في كتابة اللغة التركية، لاقيت أحد نظار المدارس الابتدائية بالأناضول، فسألته عما يكون أحدثه هذا الانقلاب في التعليم عندهم، فأخبرني أن اتخاذ الحروف اللاتينية وما فيها من حروف الحركات قد امتعض منه الأهالي في بادئ الأمر، ومنعوا أطفالهم من الذهاب إلى المدارس، فتلطف الأساتذة بهم مبينين لهم مزية هذا المشروع، ثم تدخلت الحكومة وابتدأ تعليم الأطفال اللغة مرسومة كلماتها بتلك الحروف، فكانت دهشة الأساتذة ودهشة الأهالي كبيرة؛ إذ وصل الطفل في شهرين أو ثلاثة إلى قراءة أي متن مكتوب بها قراءة صحيحة، وإن كان لا يفهم بعض المتون لأنها علمية أو فنية، لما ينضج عقله لإدراك معناها. وذلك من بعد أن كان الطفل عندهم يستغرق سنين في قراءة التركية مكتوبة بالحروف العربية ويصحفها بكل ضروب التصحيف على مثال ما هو حاصل عند أهل العربية من أطفال ورجال.
بقيت هذه الفكرة تشغل بالي إلى أن عرض - من نحو شهرين - أمر تيسير الكتابة على لجنة الأصول بالمجمع، وإذ كنت من أعضائها فقد أحببت أن أعرف ماذا عسى أن تكون تجربة تركيا في الست عشرة سنة الماضية، قد أظهرت من مساوئ هذه الطريقة أو من محاسنها؛ لأن النظر شيء والتجربة شيء آخر. فعمدت إلى المفوضية التركية، وهي آمن مورد يستقى منه الخبر، عمدت إليها على غير سابق معرفة بأحد فيها، فأنست بلقاء سعادة الوزير وحضرة السكرتير الأول واستطلعت طلعهما معا، فقال سعادة الوزير بحضور السكرتير ما حاصله: «أن طريقة الرسم الجديد قد أفادت أهل تركيا فائدة عظمى؛ إذ أصبح الطفل بعد قليل جدا من الزمن يستطيع قراءة أي كتاب قراءة صحيحة لا تحريف فيها وإن لم يفهمه. وأنه بفضل هذا الانقلاب قد زالت الأمية في تركيا تماما، أو كادت. وغاية الأمر أن الكتابة بالحروف العربية كانت كتابة اختزالية فيها اقتصاد في العمل وفي الوقت، أما الكتابة الجديدة فإنها، بسبب حروف الحركات وأشكال الحروف الأخرى، تستغرق عملا أكثر ووقتا أزيد.» ثم قال: «إن الضرر الحقيقي الذي شاهدناه هو أن الطريقة الجديدة قطعت الصلة بين الجيل الجديد وبين مخلفات السلف في العلوم والآداب والفنون.»
فقلت لسعادته أولا: «إن الطريقة التي أزالت الأمية في تركيا أو كادت، لا أهمية ألبتة لأن يكون فيها شيء من بطء في العمل أو تراخ في الوقت.» فأمن على قولي.
والواقع في هذا الصدد أن الأمور بمقاصدها، وأن كل تدقيق أو إتقان يستلزم بالبداهة العقلية من المدقق ومن المتقن عملا أزيد ووقتا أطول؛ فإن العالم المدقق والصانع المتقن يشتغل كلاهما أكثر من غير المدقق ومن غير المتقن، ويستغرق كلاهما زمنا أطول. ولا يستطيع أحد أن يزعم أن في التدقيق والإتقان محلا للملاحظة، لمجرد كونهما غير اقتصاديين في الفعل ولا في الزمن. على أن في الحق أن الكلمة إذا خلا رسمها عن علامات الحركة، من شكل أو حروف حركة، كان - كما أشرت إليه آنفا - رسما أبتر لا يشخص لفظها أمام العين تشخيصا استقلاليا مانعا من صدقه على كلمة أخرى. وهذا في ذاته نقص شنيع. ولو كان للكلمة أن تنطق لصاحت كحصان عنترة، متوجعة مطالبة بحقها من وجوب تصويرها للناس في صورتها الكاملة وإبرازها في ثوبها المقيس عليها، لا في صورة بتراء وثوب أقصر من قدها. فإذا كان في الرسم العربي اختزال فإن فيه ذلك الأذى البالغ الذي عمل رجل تركيا المرحوم مصطفى كمال على توقيه، وقد توقاه فعلا، فاستفادت تركيا تحديد طريقة أداء اللفظ وسرعة زوال الأمية، وهما فائدتان غاية في الأهمية والجلال، يحسدها عليهما العدو ويغبطها الصديق. على أن كل أمم أوروبا وأمريكا - وهي أرقى الأمم المتحضرة في العالم - لم يخطر ببال فرد من أفرادها أن حروف الحركات معوقة لرسم لغاتها، وأن من اللازم حذفها اقتصادا في الوقت وفي الزمن.