جرب في بيتك أن تخاطب أحد الأطفال باسم الإشارة «هذا» بدل «ده» فإنه لا يفهمك، بل يظنك قد طاف بعقلك مس من الجنون، فأصبحت تهذي وتتعوج في الكلام، ثم تراه ولى مدبرا يحاول تقليدك لمضاحكة أمه، وسائر من يلقى من الأطفال، بهذيانك!
هذا الطفل إذا وكلته إلى معلم، فكم من الزمن يلزمه بين محايلة ومخايلة، ومحاسنة ومخاشنة، ومعاسرة ومياسرة، حتى يعود حنجرته ولسانه صحة الأداء؟ وكم يلزمه من الزمن حتى يعرفه أنواع الفعل وتصاريفه ومشتقاته؟ وكم يلزمه حتى يعلمه مرفوعات الأسماء ومنصوباتها، ويعرفه فعل التعجب وأفعال المدح والذم وأفعال المقاربة، وغير هذا مما يطول شرحه ولا ينتهي امتداده؟ كل هذا فوق ما يلزمه من الزمن لتحفيظه كثيرا من مفردات اللغة التي تعين على الإنشاء إعانة لا تقوم بها مفردات لهجة التلميذ العامية؟ وبعد هذا لا تزال تلك الصيحة الظالمة تخرق كل سنة صماخ آذان المعلمين المساكين؟! مع أن أولئك الصائحين يعلمون هم وغيرهم أن الإنسان يدرس هذه العربية الفصحى ويمارسها حتى يبلغ أرذل العمر، وإذا حاسبته لم تجده حصل منها شيئا مذكورا، إلا من أعان ربك، وقليل ما هم.
تبرؤ وشكوى
لعل البعض يتساءل: ما بال هذا الرجل ينحي هكذا باللائمة على العربية ويصعب من أمرها؟ ألعله يريد نبذها والاستعاضة عنها بلغة أجنبية من اللغات الحية؟ حاش لله! وبعدا لهذا الظن البليد كما بعدت ثمود! وشقحا له، وحجرا محجورا!
إن حصاني الأعرج ليغنيني عن سيارة جاري، وناقتي البازل المسنة لأحب إلي من طائرته وأهدى سبيلا.
إنما هي نفثة مصدور اعتاد رؤية حصانه وناقته فأغرم بهما، والعادة محكمة، وهي من أمهات الغرائز. اعتدت ممارسة العربية وهي حصاني وناقتي، فتعرفت فيها جمالا رائعا مستورا تحت تلك الأشواك والعقبات الجسام، فهي شهد دونه إبر النحل. وهذه العربية إذا كانت نهكتها كثرة النسل فإنها أيضا نهكتها كمثلي كثرة الأدواء. كلانا مريض، وكل مريض للمريض نسيب. كلانا يشكو حاله، ولعل أصدق ما يعبر عن شكواها قول عنترة:
فارتاع من وقع القنا بلبانه
وشكا إلي بعبرة وتحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى
ولكان لو علم الكلام مكلمي
ولعل أصدق ما يعبر عن وقوع المكروه بنا معا - حتى كدنا مع شدة الإلف نفترق - قول الأعرابي:
هوى ناقتي خلفي وقدامي الهوى
وإني وإياها لمختلفان
ولئن كنت استوفيت معظم العمر، وأصبحت - كسنة الله - على وشك إجابة داعي الحق، فإنه ليحزنني أن أترك تلك الحسناء الأبية الحيية التي تواري جمالها في أقصى زاوية معتمة من خدرها، متلففة في أثخن الأبراد - ليحزنني مفارقتها يرثها أهلي وأهل العربية على ما بها من الضعف والانزواء. وأخشى ما أخشاه أن يمل من بعدنا طول مرضها وتحجبها واستعصائها، فيملكهم القنوط فيهملوها ويعتاضوا عنها لغة أجنبية من اللغات الحية التي يعمل ذووها على نشرها في الشرق جهد استطاعتهم، لأسباب لا تخفى على أي بصير. أخشى هذا، وأخشى أن تموت عربيتنا الحسناء، وألا يدركها هذا المجمع ولا عشرون مجمعا من مثله.
الرسم أهم أسباب مرض العربية
لئن كان قانون التطور وصعوبة الأوضاع والقواعد هما وحدهما اللذان رانا على جمال العربية فباعدا بينها وبين أهلها وطلابها، وأنهما وحدهما هما اللذان يعملان في هدم كيانها، فإنها - مع الأسف الشديد - تكون آيلة للزوال لا محالة، على الرغم مما فيها من قوة الحيوية الذاتية؛ إذ هذه الحيوية لن تستطيع مغالبة قانون التطور وصعوبة الأوضاع والقواعد إلا إلى حين.
لكن الواقع - لحسن الحظ - أن السبب الحقيقي الذي هو الفاعل الأول في مرض هذه اللغة الجميلة وانزوائها في كسر بيتها، إنما هو استبداد أهلها وإكراههم إياها على الظهور في ثوب غير مقيس عليها، وصورة مبهمة مشكلة لا تجلي من جمالها شيئا؛ أريد رسم كتابتها.