تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أثقل من هذا أن الفعل الواحد له جملة مصادر، مما لا شبيه له في أية لغة من لغات الخلق، وهذا وقر آخر يقصم ظهر متعلم العربية، فمثلا «بات» و«بغى» لأولهما ثلاثة مصادر: بيتا وبياتا وبيتوتة، ولثانيهما خمسة: بغاء، بغيا، بغى، بغية، بغية، وذلك عدا المصدرين الميميين للأول «مباتا» أو «مبيتا»، والمصدر الميمي «مبغى» للثاني. بل يجوز أن يكون للفعل الواحد تسعة مصادر؛ مثل فعل لبث، فإن مصادره: لبثا، لبثا، لبثا، لباثا، لباثا، لباثة، لباثة، لبثانا، لبيثة، عدا المصدر الميمي «ملبث». (د)

إن الأفعال فوق كونها تبنى للمعلوم أو للمجهول، فإن فيها الصحيح وفيها المعتل، ونظرية الإعلال والإبدال من أشق ما يكون في العربية. (ه)

إنه بقطع النظر عن الحروف وعن الأفعال، فإن الأسماء منها معرب ومبني. وإذا كان المبني من الأسماء عددا ضئيلا لا صعوبة فيه فإن المعرب يكاد يشمل كل مفردات اللغة (فوق المصادر وما اشتق منها من الصفات ونحوها)، وهذا المعرب تتغير أواخر كلماته بتغير العوامل الداخلة عليها. وهي صعوبة لا توجد في معظم اللغات الحية. (و)

فوق هذا فإن الأسماء منها المصروف ومنها الممنوع من الصرف، ومنها ما هو مقصور أو منقوص، ولكل طريقة إعراب خاصة. (ز)

وأثقل من هذا أن الجموع متعددة في العربية؛ فمن جمع مذكر سالم إلى ملحق به، إلى جمع مؤنث سالم إلى ملحق به، إلى جمع تكسير للقلة، إلى جمع للكثرة، إلى جمع جمع. ولئن كان الخطب في جمعي المذكر والمؤنث السالمين هينا، فإن جمع التكسير متعدد الصيغ، ومتعدد للكلمة الواحدة؛ بحيث إن دراسته لا وقاية لرأس الإنسان فيها من الدوار. (ح)

إن أسماء المعاني والذوات يتشكل اللفظ الواحد منها جملة أشكال، فمثلا كلمة آلاء (أي نعم) كالوارد في القرآن الشريف

فبأي آلاء

ربكما تكذبان

مفردها إلى، إلى، ألى. ولو سألت أي متعلم عنها - ممن عدا الاختصاصيين - لما عرف لهذا الجمع مفردا، بله أن يعرف أن مفرده متعدد على تلك الصور. وأنثى الأسد - مثلا - هي: لبأة، لباءة، لبؤة، لبوة، لبوة، لبوة، لبة، لباة، لب. فهذه تسعة أسماء من أصل واحد لحيوان بعينه. ودراسة هذه التغيرات مصيبة على المتعلم، بل إن كلمة «اسم» قال بعضهم إن فيها عشر لغات: اسم، سم، سما، كل منها مثلثة الأول، فهذه تسع، ثم سماة تكملها عشرا. لكن البعض لم يقنع فجعلها ثماني عشرة لغة، منها العشر المذكورة وتضاف إليها ثمان أخرى.

تلك الأشواك والعقبات، وهذا التعدد، تريك الواقع من أن هذه اللغة العربية ليست لغة واحدة لقوم بعينهم، بل إنها مجموع كل لهجات الأعراب البادين في جزيرة العرب من أكثر من ألف وأربعمائة سنة، جمعها علماء اللغة وأودعوها المعاجم، وجعلوها حجة على كل من يريد الانتساب للغة العربية، ولا يعلم إلا الله كم لهجة كانت! أفليس من الظلم البين إلزام المصريين وغير المصريين من متكلمي اللهجات العربية الحديثة بمعالجة التعرف بتلك اللهجات القديمة التي ماج بعضها في بعض فانعجنت، ولو فرض المستحيل وأمكن عزل أية واحدة منها، لكانت دراستها - بسبب قدمها - أشق من تعلم عدة لغات أجنبية حية، كل منها يعين الإنسان في عمره القصير على مسايرة العالم في هذه الحياة الدنيا؟

في كل سنة نسمع صيحة مدوية يصخ البعض بها معلمي العربية بالمدارس، متهما إياهم بالقصور أو التقصير في تلقين التلاميذ. والحق الذي لا مرية فيه أن هؤلاء المعلمين المساكين برآء من هذه التهمة براءة الذئب من دم ابن يعقوب، فإن العيب إنما هو عيب اللغة التي ليس لها في مفرداتها وقواعدها أول يعرف ولا آخر يوصف، والتي لها في الأداء جرس ولوكة لسان يضربان صماخ أذن الطفل لبعد ما بينهما وبين لهجة أمه، فينفر منها ومن المعلم نفور الطير روعته، والظبي باغته.

الحروف اللاتينية لكتابة العربية · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحروف اللاتينية لكتابة العربيةص ٥٧