كان قدماء المصريين أعز أمة، فذهبت ريحهم وذهبت معهم لغتهم، وربما خلفها في اللغة القبطية - التي ماتت هي الأخرى إلا في بطون الأوراق - لهجة بعيدة عنها بعدا شاسعا، ولم يستطع أحد من سلالة المصريين القدماء أن يخلد لغة هؤلاء الأجداد.
وكانت اليونانية القديمة لغة شعر وحكمة، فلما اشتد التبلبل في ألسنة أهلها اضطروا - على الرغم منهم - أن يتخذوا من عاميتهم لهجة جعلوا لها قواعد نحو وصرف، وهي التي يتكلمونها ويكتبون بها اليوم.
وكانت اللاتينية لغة الإمبراطورية الرومانية، فأتى عليها التطور، فاشتقت منها الإيطالية والفرنسية والإسبانية وغيرها، وأصبح لكل لغة منها قواعدها الخاصة.
وقل مثل هذا عن الألمانية القديمة وما تفرع منها.
وكل لغة من تلك اللغات الذراري هي كل يوم في تطور، غير أن العلماء يراقبون هذا التطور ويجارون الناس على ما آلت إليه اللغة في بيئتهم، حتى يوحدوا بين لغة الكلام ولغة الكتابة جهد الاستطاعة.
اللغة العربية
لكن حال اللغة العربية حال غريبة، بل أغرب من الغريبة؛ لأنها مع سريان التطور
في مفاصلها وتحتيتها في عدة بلاد من آسية وأفريقية إلى لهجات لا يعلم عددها إلا الله، لم يدر بخلد أية سلطة في أي بلد من تلك البلاد المنفصلة سياسيا أن يجعل من لهجة أهله لغة قائمة بذاتها، لها نحوها وصرفها، وتكون هي المستعملة في الكلام الملفوظ، وفي الكتابة معا؛ تيسيرا على الناس، كما فعل الفرنسيون والإيطاليون والإسبان، أو كما فعل اليونان. لم يعالج أي بلد هذا التيسير، وبقي أهل اللغة العربية من أتعس خلق الله في الحياة.
إن أهل اللغة العربية مستكرهون على أن تكون العربية الفصحى هي لغة الكتابة عند الجميع، وأن يجعلوا على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا، وأن يردعوا عقولهم عن التأثر بقانون التطور الحتمي الآخذ مجراه بالضرورة - رغم أنوفهم - في لهجات الجماهير، تلك اللهجات التي تتفرع فروعا لا حد لها ولا حصر، والتي تتسع كل يوم مسافة الخلف بينها وبين الفصيحة جدة جداتها اتساعا بعيدا.
هذا الاستكراه الذي يوجب على الناس تعلم العربية الفصحى كيما تصح قراءتهم وكتابتهم، هو في ذاته محنة حائقة بأهل العربية، إنه طغيان وبغي؛ لأنه تكليف للناس بما فوق طاقتهم.
ولقد كنا نصبر على هذه المحنة لو أن تلك العربية الفصحى كانت سهلة المنال كبعض اللغات الأجنبية الحية، لكن تناولها من أشق ما يكون، وكلنا مؤمن بهذا، ولكن الذكرى تنفع المؤمنين، فلنذكر ببعض هذه المشقة:
بعض صعوبات العربية (أ)
إن
الأفعال فيها مجرد ومزيد، ولئن كان المزيد سهل التصريف، فإن المجرد وهو الثلاثي له ستة أوزان، وليس في أي فعل منها علامة مميزة تدل على الوزن التابع هو له، وليس لهذا التمييز من دلالات سوى قواعد معقدة لا تسمن في غالب الأحيان ولا تغني؛ ففعل «ظفر» مثلا لا يعرف القارئ إن كان ماضيه مكسور العين أو مفتوحها أو مضمومها، ولا إن كان مضارعه مفتوح العين أو مكسورها أو مضمومها، بل عليه أن ينجم ويخمن، أو يرجع لمعاجم اللغة. ومثل «ظفر» عدد كثير من الأفعال الثلاثية. (ب)
إن الفعل الثلاثي الواحد قد يتبع أوزانا مختلفة، فيكون في الماضي مفتوح العين أو مكسورها مثل بقى بقي، ويكون مضمومها أو مكسورها مثل بعد وبعد، بهت وبهت، بل يكون صحيحا بالحركات الثلاث مثل بغض وبغض وبغض؛ أي صار بغيضا، ومثل أنس وأنس وأنس، ضد توحش. وقد يكون الفعل مفتوح العين في الماضي مكسورها أو مضمومها في المضارع، مثل بطش يبطش أو يبطش بكسر الطاء أو ضمها ، وقد يكون مكسور عين المضارع أو مفتوحها مثل بات يبات ويبيت. وفي هذا التغاير في الماضي أو المضارع في الفعل الواحد بعينه منتهى الحرج. وهو حرج يدعو ابن اللغة - وبالأولى دعيها - أن يفر منها راضيا من الغنيمة بالإياب. (ج)