تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما التركية فأرجوك أن تسمع أهلها - لا الناقمين ولا المشردين - لتعلم كيف أفادوا من تعديل رسم لغتهم أكبر الفوائد، وأن نطق لغتهم لا زال هو هو على ما كان عليه. وهل كان الرجل التركي في عهد الرسم العربي يستطيع أن ينطق النغمات الخاصة بالعربية؟ ألم يكن ينطق الثاء سينا، والجيم المعطشة تارة مفشوشة وأخرى مكزوزة كأنها تاء وشين، وينطق الحاء هاء، والذال والضاد زايا، والطاء تاء، والظاء زايا مفخمة فقط، والعين ألفا، والقاف كافا؟ فنطقهم لا زال هو هو. يتحكمون بلوكتهم القومية في الحروف اللاتينية كما كانوا يتحكمون بها في العربية. فدعنا من الكلام الغير المفيد.

خامسا:

إنك في صدر مقالك جعلت المسائل التي عولت على الكلام فيها أربعا، وقلت إن رابعتها هي: «هل في الإمكان درك نقص الحركات دون التجاء إلى الحروف اللاتينية؟» فاستبشرت أنا خيرا وقلت لنفسي: عل خروج الفصحى لبر السلامة يكون وقته قد حان. لكنك لم تتناول في أقوالك التي نشرت في ثلاثة أعداد من «الثقافة» آخرها الصادر في أول أغسطس سنة 1944 إلا المسائل الثلاث الأولى التي أوردت فيما تقدم كلامك فيها ورددت عليه. أما المسألة الرابعة، وهي ملاذ العائذين، وهدف الأهداف، وغاية الغايات، ومحط الرحال، فإنك أنزلت رحلك في الصحراء قبل أن تبلغنا محلها وتمتعنا بسنا محياها. إنك حين صرت منها على كثب أمسكت عن الكلام، وعللتنا بوعد مجرد لم تسم لإنجازه أجلا. قلت إنك «ستوافي المعارضين بما يرضي رغبتهم في جعل الكتابة العربية تدل على الحركات في أصل الكلمة بما يقطع دابر الإشكال.» حرام عليك ما أقساك! إنك بهذا حسبتنا كمونا إن فاته السقي أغنته المواعيد، بل تركتنا كمن يقف به المصعد بين طبقتين، لا إلى العليا وصل، ولا إلى السفلى يعرف كيف النزول. فهو خافق القلب مضطرب الحشا، حتى يشاء الله فيقيض له من ينقذه. أفيكون الأمر يا سيدي أنك أجهدت نفسك في كلام طويل مديد لمجرد استرهابي بالعلم والعلماء؛ حيث لا علم - كما بينته لك - ولا قيمة فيما نحن فيه لما تنقل من أقوال العلماء؟ ولماذا تسترهبي بغير الحق، وأنا - مع احترامي الكلي لك ولغيرك - لم يسبق لي التشرف بمعرفة شخصك الكريم، ولا جرت بيننا معاملة مما يوغر الصدور ويبعث على الترهيب؟ ألعلك لا تكون أنت مختارا في نشر كلامك، بل تكون ملهما فيه من بعض الأجلاء، وتكون في ذلك كبعض المعترضين علي من المصريين؟! قل لملهميك إنهم مخطئون، فإني أعرف فضلهم وسمو مكانتهم في أهلهم وعلو كعبهم في الآداب، ولا أكن لهم إلا كل احترام وإجلال. ومهما يكن من الأمر، فإني يا سيدي باق في انتظار إنجازك وعدك. وفي اليوم الذي يهديك الله إلى العثور على طريقة - غير الشكل وغير تلك الطرق التي ترى نماذجها هنا - تجعل كتابة الفصحى مستوفية ما ييسر لكل فرد من أية الطبقات أن ينطق بها على الوجه الصحيح، بلا لحن ولا خطأ ولا توقف أو إعمال فكر، بل كما ينطق الأجانب بالمكتوب من لغاتهم، في ذلك اليوم يا سيدي تراني على الفور ممزقا اقتراحي، دافنا أشلاءه في الأرض السابعة تهجينا له واستقباحا، ورافعا عملك إلى السماء السابعة إكراما له وتمداحا. وكل رجائي منك أن يكون إنجاز وعدك على هذا الوجه في يوم قريب.

والسلام على السيد ورحمة الله وبركاته.

| المطلب الثالث

13

لما اتصل بعلم الجمهور أن المجمع اللغوي يبحث في أمر تيسير الكتابة العربية، قدم بعض من اهتموا بالأمر اقتراحات مشفوعة بنماذج تبين صورتها التطبيقية. ولما عرضت على اللجنة المختصة أهملتها جميعا، ما عدا اقتراحا لحضرة الأستاذ علي الجارم بك، فإنها استبقته ريثما يدخل عليه ما يرى من التحسين، بعد رجوعه إلى الاختصاصيين في فني الرسم والطباعة. ثم انتهى الأمر بتقديمه لمؤتمر المجمع في الدورة الماضية التي انفضت في آخر فبراير سنة 1944. والمؤتمر قرر إرجاء البت فيه لدورته المقبلة، آملا أن يتقدم الجمهور باقتراحات أخرى فتتخير اللجنة أمثلها وتعرضها على المجلس ثم عليه للتصرف.

الحروف اللاتينية لكتابة العربية · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحروف اللاتينية لكتابة العربيةص ٥٤