تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثالثا: (1) أما قول سيدي: «إن أحد علماء السريان وضع سبع صور للحركات وأدخلها في هياكل الكلمات، ولكن عمله فشل بعد موته.» فإني لا أدري كيف جعل هذا العالم شكل ما اخترعه من تلك الحروف. إنها إذا كانت، بالإضافة إلى السريانية (التي لا أعرفها) من قبيل ما تقدم لمجمعنا اللغوي من الاقتراحات بشأن رسم العربية - مما ترى نماذج كثير منها مرسومة في آخر المطلب الثالث من هذا الكتيب - فإنه عمل كان خليقا بالإخفاق والزوال. أما إن كان عمل هذا العالم جيدا متقنا مفيدا، فمستحيل أن يكون سبب إخفاقه متانته وفائدته، بل يكون السبب صعوبة إرضاء عواطف الناس وشهوات الناس. وعلى إمكان صحة هذا التقدير فليس لسيدي أن يحتج هنا بحبوط ما يكون أتاه هذا العالم من العمل المتين المفيد. (2) تقول إن الصابئين وإن كانوا أدخلوا حروف الحركات في رسم كتابتهم، وكان العلماء عدوا عملهم هذا تقدما، لكن العالم نولدكه قال إنه أدى إلى عدم تمييز المدات من خفيف الحركات. إني أيضا لا أعرف لغة الصابئين (المندعيين). وكذلك لا أعرف كيف هيئوا لها حروف الحركات، لكني ألفت نظر سيدي إلى ما روى مما يفيد أن عملهم أخذ قومهم به وأنهم مستمرون عليه، ومن أن العلماء اعتبروه تقدما. هؤلاء العلماء لا بد أنك تعني بهم المستشرقين المشتغلين باللغات السامية. وإذا لاحظت هذا علمت أن أقوال أولئك العلماء الذين تستنصر بهم لتقرير أن ألفاظ اللغة العربية - وهي من اللغات السامية - تأبى - بأصل رسمها، أو بأصل تكونها، أو بأصل خلقتها (كما تشاء) - وضع حروف فيها للحركات، إنما هو تقرير للواقع في رسمها ليس غير. وأنه لا يمنعك مانع من أن ترسم نغمات ألفاظها بأي رسم آخر تريد، ولا أن تضع لها من حروف الحركات التي تناسبها ما تختار. أما ما رواه السيد عن العالم نولدكه، فأغلب ظني أن نقده لا يكون آتيا إلا من سوء رسم ما أدخلوه من حروف الحركات. وإنك إذا راجعت نماذج ما قدم لمجمعنا من الاقتراحات لوجدت من بينها ما لو اتخذ لوقع الخلط حتما بين الحركات القصيرة وبين المدات (انظر نموذج رقم 2 في [المطلب الثالث، 13]).

رابعا:

أما قول سيدي إن إدخال حروف الحركات اللاتينية في الرسم العربي يئول بالزمن إلى اعتبارها حروف مد فتفسد أقيسة اللغة وأوزان الشعر، وأن التلقين لا يغني؛ لأن القاعدة فاسدة الأساس ... إلخ إلخ.

قولك هذا يا سيدي من أغرب ما يكون. إن اللغات المرسومة بالحروف اللاتينية متعددة، وحروف الحركات فيها كثيرة جدا، وأغلبها شائع في جميعها، كما أن أغلبها يختلف توجيهه النغمة في لغة عنه في الأخريات. ونحن للآن لم نسمع إنجليزيا ينطق في لغته حرف

u

أو

e

كما ينطق بهما الفرنسي أو الألماني أو الطلياني، كل في لغته. ولم نر أن تعدد تلك الحروف مع تجاور ديار تلك الأمم خلط لغاتها بعضها ببعض، فجعل ما ينطق به في بعضها كفتحة أو ضمة أو كسرة خفيفة قد غرر بأهله، أو أعدى الجيران فنطقوا به ممدودا، فأفسدوا لغتهم وما لشعرهم من الأوزان. أظن أن قول سيدي في هذا الصدد هو الفاسد، وأنه مجرد تهويل. فأرجو إعفائي من مثله، ومما تقول من أن اللاتينية قد كتبت بها السودانية والتركية فأفسدتهما.

إذا كان أحد كبار السودانيين قد أخبرك بهذا - كما تقول - فلا بد أنه وقفك على جلية الخبر. ولا بد أنه أعلمك ما وقع وما هو واقع الآن في السودان القريب من خط الاستواء في مناطق تسكنها قبائل الدنكا، والشلوك، والنوير، والنيام نيام، وغيرها، وكلها قبائل همجية لا تتكلم العربية، بل لكل منها رطانته الخاصة التي لا قيمة لها في الوجود. تلك القبائل قد تسلل بينها المبشرون - كما سمعت أخيرا - وأرادوا ضبط رطانتهم بالكتابة ليتعلموها هم ويعلموهم كتابتها، فضبطوها بالأحرف اللاتينية، فتشوه النطق بها طبعا؛ لأن هذه الأحرف وحدها لا يمكن أن تؤدي النغمات الخاصة بتلك الرطانات. والقسس المبشرون أنفسهم لا يستطيعون تصريف ألسنتهم بها، فهم يكتبونها بالاجتهاد. ولا يهمهم أن تتشوه أو لا تتشوه؛ لأنها لا قيمة لها في ذاتها على أية حال. ولئن صح ما سمعته أنا من هذا - وقد لا يبعد أن يكون صحيحا - فأين ما نحن فيه من عمل المبشرين ذاك؟ وكيف يسمح سيدي أن يدخل هزل العمل في جده، فيحتج بتلك الرطانات؟

الحروف اللاتينية لكتابة العربية · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحروف اللاتينية لكتابة العربيةص ٥٣