تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو أن النبطيين عند وضع رسم العربية أدرجوا هم أو الجاهليون الأولون في غضون الكلمات حروفا أو زوائد خاصة للدلالة على الحركات، لأخذناها عنهم قضية مسلمة، ولما خطر في بالنا ولا في بال المستشرقين أن خلقتها الأولى غير محتملة لحروف الحركات. لكنهم لم يضعوا، بل احتذوا حذو جيرانهم من السريانيين والصابئين الذين تذكرهم. وهذا من جميعهم نقص فاحش يحاولون سده في كل الأزمان، بما في الإمكان. غير أن الأقدمية والآثار السالفة والعادات المتأصلة لها حكمها القوي الذي يدفع إلى الصبر على كل منقوص مع الاقتناع بأنه منقوص. فأرجو سيدي أن لا يتعلق كثيرا بتقديرات المستشرفين فيما هو قابل عقلا للأخذ والرد من الشئون. ولا تلمني فأنت نفسك قلت فيما بعد: إن إدخال حروف للحركات في كتابة الصابئين عده العلماء تقديما. ولا تعجل بالاعتراض فسترى كلامي على تلك النقطة وعلى ما قيل من أن المدات في تلك اللغة اختلطت بالحركات القصيرات.

ثانيا: (1) أما قولك في الحركة إنه لا يؤبه لها في رسم العربية، فلا شك أنه من جانبك تقرير للموجود في الواقع. أما إذا كنت تريد به عدم أهمية رسمها، فإني أنكره عليك أشد الإنكار. ليكن الأصل في الكلمات العربية المصادر لا الأفعال الماضية، ولتكن ثلاثية الأصول كما يقولون، أو ثنائيتها كما يقول حضرة القس مرمرجي، ليكن من هذا ما يكون، فإن حروف النغمات الجوهرية الصامتة

Consonnes

مهما يكن لبعضها من جرس صفيري يستثمر بعض الزمن؛ كالزاي والسين والشين وغيرها، فإنها جميعا يستحيل أن تفهم شيئا بدون الحركات. وليكن فيها حروف المد: الألف والواو والياء؛ فإن هذه لا تؤدي لك سوى مقطع مفتوح ممدود أو مضموم ممدود أو مكسور ممدود. ومثل هذه المقاطع ليست هي كلمات العربية، بل قد تكون حكاية لأصوات بعض الحيوانات أو الجمادات؛ فالحركات - كما قدمت - هي روح العربية وملاكها، وإذا حذفتها من الرسم كان ذرب اللسان عند النطق كالأخرس سواء بسواء. (2) وليس في كل ما أوردته عن الحركة وسبقها للحرف أو مقارنتها أو تلوها له أقل فائدة في موضوعنا، لتكن الحركة من ذلك ما تكون، فإنها هي هي ذلك الشيء الذي لا يجهله أحد من القارئين، بل كلهم يعرفونه بالضرورة.

كذلك لا يوصلنا لشيء ما تقوله قبل ذلك من أن الحركة صفة للحرف وليست حرفا. لا يوصل؛ لأن أحدا لم يدع، ولا يمكن أن يدعي أن الحركة حرف نغمة. وإذا كنت أجهدت نفسك بلا مقتض في توجيه المتضارب من أقوال النحويين، كما أجهدتها أيضا في الاستشهاد هنا بمن قالوا إنها عرض، وبمن قالوا إنها صفة، استنصارا وترهيبا بالعلماء وأقوال العلماء في غير ما موضع لهذا الاستنصار والترهيب، فاعلم يا سيدي أني قد أعرف تكميل ما أوردته منقوصا في هذا الصدد، أستطيع أن أقول: إن الحركة عرض ملازم للحرف بالقوة أو بالفعل. والعرض الملازم خاصة منطقية كالضحك للإنسان، والخاصة المنطقية تدخل في التعريفات فيكون التعريف بها رسما لا حدا. فإذا قلت إن الحرف الجوهري في الألفاظ العربية (هو نغمة من نغماتها قابلة للحركات)، إذا قلت هذا، وهو صحيح كل الصحة، فقد عرفت الحرف الجوهري

Consonnes ، على أني قد أترقى في البيان فأدعي أن الحركة جزء من ماهية الحرف، وأعرف الحرف في العربية بأنه «نغمة خاصة يلفظ بها في الكلمات العربية على وجه خاص.» وهنا أصبحت الحركة فصلا منطقيا وجزءا من ماهية الحرف، فإذا أردت أن تدل، في ألفاظ الكلام ، على هذا الحرف العربي، بالخط، وجب عليك حتما أن تجعل الهيكل الدال معينا عرضه الملازم له الظاهر عليه بالفعل (على التعريف الأول)، أو الوجه الخاص المنطوق به (على التعريف الثاني). على أن كل هذا الكلام من جانبي ومن جانبك - خطأ كان أو صوابا - هو حشو وتزيد لا ضرورة له ولا بلاغ فيه. والحقيقة الوحيدة التي ينبغي أن تكون أساسا لما نحن فيه، هي أن رسم اللغات من اختراع الإنسان؛ فهو يغيره وينوعه كما يشاء، لا فرق في هذا بين العربية وغيرها. وأنت إذا استبقيت الحروف العربية كما هي، ووضعت لها حروفا خاصة للحركات أو زوائد خاصة للحركات، أو اتخذت لها أي رسم من رسوم اللغات الأجنبية يبين نغماتها وحركاتها، فإنها لا تعصيك فيما تريد من هذا. وهل التركية والفارسية والجاوية والهندية عصت عندما ألزمت رسم العربية؟ أو لغات أوروبا عصت عندما ألزمت رسم اليونانية؟ كل كلام في هذا الموضوع ميسور الإكثار منه لكل إنسان، ولكنه لا يفيد. فأرجو أن لا تسترهبني بما تسميه دلائل العلم، ولا بالإكثار من التقريرات الشبيهة بتقريرات العلماء مع خروجها عن الموضوع وعدم فائدتها فيه.

الحروف اللاتينية لكتابة العربية · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحروف اللاتينية لكتابة العربيةص ٥٢