وإذا اطلعت على كتاب أصل الخط العربي للأستاذ خليل يحيى نامق (من علماء كلية الآداب بهذه الجامعة)، لعلمت أن ما نقلته عن القلقشندي وهو: «إنهم فرقوا بين بعض الحروف بالنقط، وقصدوا بذلك تقليل الصور للاختصار؛ لأن ذلك أخف من أن يجعل لكل حرف صورة فتكثر الصور». ذلك القول الموهم أن الواضعين الأولين للخط العربي هم الذين فعلوا هذا، إنما هو قول بعيد عن الصواب - إن كان مرادا به هذا المعنى المتوهم من لفظه - لأن الذي أثبته أولئك المستشرقون، اعتمادا على النقوش الحسية، ودونه الأستاذ نامق، هو أن النبطيين لم يضعوا شيئا من النقط في حروف الكتابة، لا هم ولا من سرى إليهم خطهم من عرب الجاهلية. وكيف تعتبره صوابا وتبني عليه قضيتك تلك، مع استفاضة العلم عند المسلمين كافة، بأن صحف النبي التي دونت بها آيات القرآن، لم يكن في شيء منها أي نقط للحروف، ومثلها في عدم النقط مصاحف عثمان بن عفان التي نسخها من تلك الصحف وبعث بها للأقطار الإسلامية، وأن تنقيط القرآن لم يحدث إلا على يد الحجاج بن يوسف في خلافة عبد الملك بن مروان؟ فالعرب الأولون - من نبطيين وجاهليين - لم يكن عندهم إلا حرف واحد للباء والتاء والثاء والنون، وحرف واحد للجيم والحاء والخاء، وواحد للدال والذال، وواحد للراء والزاي، وواحد للسين والشين، وواحد للصاد والضاد، وواحد للطاء والظاء، وواحد للعين والغين. وإذا سألتني كيف كانوا يفرقون بين الحروف المشتركة عند القراءة؟ فالجواب ميسور عتيد: إنهم كانوا يفرقون بينها كما كان أصحاب النبي وكل المسلمين من بعده يفرقون بينها في القرآن مدة ثمانين سنة من تاريخ الهجرة إلى خلافة عبد الملك بن مروان.
على أن وجه الاعتراض بكيف كان يحصل التفريق بين الحروف هو - بالإضافة إلى مدة الإسلام - أشد وأقوى أضعافا منه بالإضافة إلى ما قبل الإسلام؛ لأنه شتان ما بين الزمنين وبين الحضارتين وبين ضرورتي التفريق. مهما كان النبطيون قوما أشداء، ومهما كانت لهم مملكة قامت من سنة 169 قبل المسيح في الجزء الشمالي من جزيرة العرب جنوبي فلسطين والشام، واستمرت إلى أن أزالها الرومان في سنة 106 بعد المسيح، ومهما كانوا - كما يقول مؤرخو الفرنجة - قد أغاروا على الشام واستولوا على دمشق عاصمتها، مهما يكن من حالهم هذا، فإنهم لم يكونوا كاليونان أو الرومان أو الفرس أو المصريين، أهل علم أو صناعة راقية حتى يغروا بالكتابة فيتقنوها ويتخذوا لها أدواتها. ومهما يكونوا قد تحضروا بعد التبدي، فإن تحضرهم لا بد كان كتحضر قريش في مكة، والأوس والخزرج في المدينة. وهم ومن سرى إليهم خطهم من أهل الحجاز هؤلاء وغيرهم من الجاهليين مهما كانوا في جملتهم أشداء أباة ضيم، فإنهم كانوا في جملتهم أيضا نقلة تجارة أو أصحاب إبل وشاء، رحلا نزلا، يجذبهم الغيث ويشردهم الجدب. وكان أدبهم ينحصر في المفاخرة بالأنساب، والتغني بما قام بينهم قديما وحديثا من وقائع القتال وصنوف الغارات، وبفضائل الشجاعة والكرم وإجارة اللائذين المستجيرين، وفي وصف الظواهر الطبيعية من سحاب وبرق ورعد وأمطار، وما نزلوه أو غادروه من منازل وديار، وفي التشبيب والنسيب، وفي وصف أسفارهم ومطاياهم، وما شاكل هذا. وخير هذا الأدب جوامع الكلم الخوالد التي تحمل الحكم والأمثال، مما هو نتاج التجاريب وزبدة فلسفة الحياة. وإذ كانت كتابتهم بدائية صرفة، وكانت الرقاع الصالحة لا وجود لها، بل كانت صحفهم - على ما يلوح - هي الحجارة الرقيقة وعظام أكتاف الحيوان وسعف النخل وقطع الخزف أو الجلد (كما كانت في مبدأ الإسلام)، وهي جميعا من شر الرقاع؛ إذ كان ذلك فقد أهملت تلك الكتابة طبعا وقل اهتمامهم بتكميل نواقصها وتحسينها، واضطروا لتخليد آثارهم وعواطفهم في تلك المناحي إلى اتخاذ أيسر طريق لهذا الغرض: الشعر. والشعر غناء موزون، عذب مألوف، يحلو تكراره فيسهل وعيه واستذكاره. كان شعرهم يفي لهم بتلك الأغراض، ويغنيهم عن الكتابة والتدوين، وعن تعنية أنفسهم بتكميل صور حروف النغمات التي سرت إليهم من النبطيين أبناء جنسهم، وإزالة اشتراك كثير منها بين جملة من هذه النغمات. ولقد استمروا هكذا حتى أتى الإسلام فجرى على خطتهم شوطا طويلا، مع اختلاف العهدين والحضارتين - كما أسلفت - ومع فتح فارس والشام ومصر وغيرها، واتساع رقعة ما دخل تحت حكمه من البلاد.