وإذا سألتني: كيف كان النبطيون يدونون أعمالهم وقت قيام مملكتهم واستيلائهم على دمشق؟ فالجواب أيضا ميسور عتيد؛ كانوا يدونونها حتما بالرومية (اليونانية أو الرومانية) كما كانت دواوين المسلمين إلى عهد عبد الملك بن مروان يكتب فيها بالفارسية والرومية والقبطية.
وإذن فإني أرجوك يا سيدي أن تعدل عن قضيتك تلك، سواء أكانت من عندياتك أم كنت انتزعتها مما رويته عن القلقشندي، أو من أقوال اطلعت أنت عليها لغيره من العلماء. (3) أما إن كانت تلك القضية هي - على الرغم من ظاهر عبارتك وظاهر العبارة التي نقلتها عن القلقشندي - مجرد تقرير انتزعته من الواقع الآن في الخط العربي، أو انتزعه القلقشندي من الواقع فيه في عهده، فأنت وكل كاتب يقظ، بل حتى مثلي في قلة يقظته، كلنا نستطيع بمجرد مشاهدة الخط العربي الراهن، أن نقول إن حروفه المفردة مكونة من خطوط مستقيمات طويلات أو قصيرات، ومن أقواس منحنيات، تتناسب مع المستقيمات، وإن كثيرا من حروفه متشابهات، تميزها النقطات، ومواضع النقطات، وأعداد النقطات. فإدخال القلقشندي وأهل الصناعة لا يزيد في وزن هذا التقدير ولا ينقص منه. بل قد يظن أن الغرض منه إيهام أن الرأي تؤيده «دلائل العلم» وليس في المسألة للعلم أي أثر كما ترى.
على أنك يا سيدي لو ألقيت مثل هذه النظرة على الحروف اللاتينية التي قارنت بينها وبين العربية، لما وجدتها أيضا إلا مكونة من مستقيمات طويلات أو قصيرات، ومن أقواس منحنيات تتناسب كل التناسب مع المستقيمات؛ فهي والعربية في الحال الراهنة سائرتان على نظام واحد في التكوين. والفرق بينها وبين العربية عدم وجود المتشابهات المحتاجات للنقطات المميزات.
ثالثا: (1) وإذا كنت أنت يا سيدي ، اعتمادا على القلقشندي أو غيره، تعتبر أن التشابه مزية، وأن التفريق بالنقط مزية، ثم ترسل عبارتك في هذا الصدد موهمة أنهما مزيتان مقصودتان لواضعي الخط الأولين، لتبسيط الأشكال والتخفيف منها، وتعتبر كما قد أفهمه من عبارتك بطريق التخمين، أن الحروف اللاتينية أتت معقدة الأشكال لفقدها هاتين المزيتين، إذا كان هذا هو رأيك واعتبارك، حتى ولو كان قولك راجعا لا للواضعين الأولين من النبطيين والجاهليين، بل إلى مركز الخط العربي في عهد القلقشندي أو في يوم الناس هذا، أقول إذا كان هذا رأيك واعتبارك، فيفتح الله بيني وبينك. (2) واسمح لي يا سيدي أن أقدم لك اعتذاري عما أقوله من أني لم أفهم إلا بطريق التخمين أنك تعتبر أن الحروف اللاتينية أتت معقدة لفقدها هاتين المزيتين. عذري الذي أقدمه لك هو نص عبارتك في هذا الصدد؛ فأنا أضعه أمام نظرك لتعيد أنت قراءته: «إنه يظهر أنهم عنوا ببساطة الحروف فعمدوا إلى تخفيف الصور؛ لأن كثرة الصور داعية لتداخل الحروف، مما يؤدي إلى التعقيد، وهو ما وقع بالحروف اللاتينية التي تعقدت أشكالها وصورها، فاختلف بعضها عن بعض اختلافا بينا.»
إنه بقطع النظر عن أنك، في قولك أنت وفيما ترويه عن القلقشندي، لا تريح القارئ ببيان الاسم الظاهر، بل تستعمل ضمير جمع الغائبين، الذي إذا كان ظاهر عبارتكما مفهما أنه راجع إلى واضعي الخط العربي من أهل الجاهلية الأولى، فإنه قد يفهم - ولو من بعيد - أنه راجع إلى مركز الخط العربي في الوقت الحاضر أو في وقت القلقشندي. وهذا ضرب من التبهيم لا يجوز إتيانه ممن يحتج بالعلم ودلائله؛ لأن العلم لا يحتمل التبهيم، لا من قريب ولا من بعيد، بقطع النظر عن هذا، فهل تستطيع يا سيدي أن تفهمني معنى قولك: «إن كثرة الصور داعية لتداخل الحروف مما يؤدي إلى التعقيد؟» أنت يا سيدي في صدد الكلام على صور الحروف المفردة وأشكالها، وصدر جملتك الذي تقول فيه إنه يظهر أنهم عنوا ببساطة الحروف دال حتما على أنك تعني بلفظ «الحروف»، صور الحروف، ولا تعني بها النغمات؛ لأن النغمات يستحيل تبسيطها. والصور هي هي الأشكال، وهي هي الحروف على هذا المعنى الذي تحدد في صدر عبارتك تلك. وإذن يكون قولك: «إن كثرة الصور داعية لتداخل الحروف مما يؤدي إلى التعقيد.» يساوي بالضبط «إن كثرة الحروف داعية إلى تداخل الحروف.» فاحكم أنت هل لهذا القول معنى؟ وكيف يصح في العقل أن كثرة أشكال الحروف تدعو إلى تداخلها؟ وما معنى هذا التداخل؟ إن كان أحد يفهم هذا فما أغباني! وأخرى، هل يدرك أحد معنى لقولك: «وهو ما وقع بالحروف اللاتينية التي تعقدت صورها وأشكالها فاختلف بعضها عن بعض اختلافا بينا؟» إلام ترمي بأن الحروف اللاتينية اختلف بعضها عن بعض اختلافا بينا؟ وهل اختلاف أشكال الحروف الدالة على النغمات المختلفة أو على حركاتها، هو في نظرك أو نظر أي إنسان عيب ونقص؟ وكيف يصح هذا في العقل؟ إذا صح فما أغباني أيضا! ثم، كيف تسمي اختلاف صور الحروف تعقدا في أشكالها؟ كيف والعقل يقضي بأن الأشكال والصور إنما هي رسوم وتخطيطات، إن لم يتميز بعضها عن بعض بالمغايرة بينها، اشتبهت واشتركت ولم يتمحض كل منها للغرض المراد تخصيصه به؟ وإذا كانت المغايرة بين صور الحروف واجبة، فلماذا تسميها «تعقدا» وتعدل عن اسمها وهو «المغايرة»؟ وما مرادك هنا بكلمة «التعقد»؟ هل تعني معناها جادا؟ وهل سيدي، وهو يتقن الفرنسية - كما يؤخذ من استشهاداته في مقاله المحترم - لم يحفظ حروف هجائها اللاتينية، وهي ستة وعشرون لا غير، بما فيها من حروف الحركات، بل وجد اختلافها قد عقدها فعز عليه حفظها؟ إني أفهم أن كلمة التعقد تستعمل لو كنا في معرض استبدال الحروف الصينية أو اليابانية أو المصرية القديمة بالحروف العربية. إذن لجاز أن يقال إنها جميعا معقدة؛ لكثرة الذنبات فيها والتعرجات والتلافيف وصور الحيوانات والجمادات، وإن الذهن لا يحيط بتثنياتها وتعرجاتها إلا بعد المرانة وطول الإجهاد. أما في اللاتينية فلا، ثم لا، ثم لا. وفوق ما أسلفت، أفلا ترى يا سيدي أن بين جزءي عبارتك تناقضا واضحا؟ في جزئها الأول جعلت كثرة الصور داعية إلى تداخلها. وليس للتداخل معنى - كما قد أفهم - إلا الامتزاج والاختلاط. وفي جزئها الثاني جعلت التداخل داعيا إلى التعقد، والتعقد داعيا إلى اختلاف الحروف اختلافا بينا، والاختلاف البين ضد بين للتداخل والاختلاط.