تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خامسا:

تقول من بعد ما حاصله أن خمسة وثلاثين في المائة من طلبة المدارس العالية في فرنسا قصيرو النظر؛ بسبب انكبابهم على قراءة الحروف اللاتينية، وأن تعقد الحروف وعدم وضوحها يصد النفس عن القراءة، وأنه من أجل هذا يحاول الإفرنج إصلاحها.

سادسا:

تنتهي من كل ذلك إلى أن أصلح ما يؤدي النغمات العربية إنما هو الحروف العربية.

وإلى سيدي ردي على ما أثاره في هذه المسألة الثانية، جاريا أيضا على ترتيب أجزائها.

أولا: (1) إن السيد قارن بين ستة عشر حرفا مفردا من اللاتينية، وبين ما يقول إنه مقابلها في العربية، وهاكها:

b

t

g

h

z

s

f

k

q

i

n

ب

ت

ج

ح

ز

س

ف

ق

ك

ل

ن

ولقد يرى غير السيد بكل إخلاص، أن الأحد عشر حرفا اللاتينية إن لم تكن أبسط من التي جعلها السيد مقابلة لها في العربية، فليست أقل منها بساطة، متى لوحظت المستقيمات والمنحنيات في كل، ووجود النقط في العربية دون اللاتينية. ثم إن مما لم يذكره من حروف النغمات المشتركة حرف

y

اللاتيني ومقابله في العربية «ي»، وقد لا يشك الرائي أن اللاتيني أبسط. ومما لا مقابل له في العربية حروف:

v, p, i, c ، وهي أيضا في غاية البساطة. وهذه المقارنات يستطيعها كل قارئ عربي يعرف لغة أوروبية، غير محتاج في حكمه لشيء من العلم ولا دلائله. (2) ولقد يخيل إلي أن السيد سها إذ اتخذ حروف الطباعة المفردة أساسا للمقارنة، ولو أنه اعتمد على الحروف العربية، حالة في بنية الكلمات وقارنها باللاتينية، حالة في بنيتها، لما خالفه أحد في أن العربية أوجز وأبسط. لكن لا أيسر ولا أوضح، لا في المطبوعات ولا في المخطوطات؛ لأن الشكل المفرد لغالبها يأخذ ثلاثة أشكال أخرى، بخلاف اللاتينية التي تبقى هي هي على الدوام والاستمرار. والعقل يقضي بأن الحرف الباقي أبدا على حال واحدة أوضح من المتقلب بين أربعة أشكال. ومن أراد التحقق بالتجربة فلا حاجة به إلى العلم ولا إلى العلماء، بل ليذهب إلى صفافي الحروف بالمطابع العربية، ليعلم أنهم من هذه الناحية كثيرو الأخطاء، بل ليسأل أي أوروبي يتعلم العربية، حتى يعلم أن من الصعوبات التي يكابدها تعرف أشكال الحروف حالة في بنية الكلمات؛ وذلك لتعدد صور الواحد منها - دع خفاء حركاتها مما هو عليه مصيبة أشق وأفظع - بخلاف العربي الذي يتعلم لغة أوروبية، فإنه لا يخطئ مطلقا في معرفة أي حرف في كلماتها لتوحد شكلها وبقائه على حال واحدة على الدوام. بل ليسأل أي معلم من معلمي الأطفال ليستيقن أن من أشق ما يكون على الطفل انتقاله بعد تعلمه الحروف المفردة، إلى طور تعلم الحروف متصلا بعضها ببعض في الكلمات.

ثانيا:

تقول: إن بساطة صور الحروف في الخط العربي ليست مجرد اتفاق، بل هي أمر مقصود.

وهذه قضية إن كان السيد يريد بها أن البساطة مقصودة عند وضع الأولين للخط العربي (كما هو ظاهر عبارته)، فإني أرجوه المعذرة إذا قلت له: كيف تسمح لنفسك أن تقررها؟ هل كنت حاضر النبطيين حوالي ميلاد المسيح فأخذت عنهم أن من نيتهم وضع رسم للغتهم العربية، ومن مقصودهم أن يكون بسيطا؟ وإن كانت أقوال القلقشندي وغير القلقشندي من كتاب العربية قد ورد فيها ما يفيد هذا، فاعتمدت في تلك القضية عليه، فإني أرجوك أن تعفي نفسك من أقوال المتقدمين والمتأخرين من كتاب العربية في هذا الخصوص. إنهم ما كانوا يعرفون من هو واضع الخط العربي، بل تخبطوا في الافتراضات والاستنتاجات تخبطا شديدا؛ فمن قائل إنه توقيفي من عهد آدم، ومن قائل إن واضعه نبي الله إدريس، وقائل إنه متلقى عن كاتب الوحي لنبي الله هود. ومن قائل إن أصله مقتطع من المسند الحميري. وما هم إلا المستشرقون من الإفرنج، بحثوا ونقبوا في القرن التاسع عشر الماضي فقط، ثم دلونا على أن الخط العربي من وضع النبطيين، اشتقوه من الآرامية، وسرى منهم إلى أهل الحجاز وغيرهم من عرب الجاهلية. وهذا - كما قلت في موضع آخر - هو المعتمد الآن في جامعة فؤاد الأول.

الحروف اللاتينية لكتابة العربية · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحروف اللاتينية لكتابة العربيةص ٤٦