11 (4) على أني مع تقريري - بشيء من التفصيل - لهذه الحقيقة التي أشرت إليها، وتقريري لعلتها بحسب ما أفهم، فإني أسارع إلى لفت نظر سيدي إلى أن أهل كل لغة من تلك اللغات الأوروبية هم - بفضل حروف الحركة - لا يخطئون - عند القراءة - النطق بالمكتوب من عبارات لغتهم وفقا لما يلفظونه في الكلام غير المكتوب. فالألمان والطليان - مثلا - لا يمكن أن يخطئوا؛ لأن النغمات عندهم مقررة وجارية دائما على قياس معلوم. وليس عندهم - على ما أعلم - حروف نغمات، أو مركبات نغمية لا ينطبق بها. والفرنسيون - مثلا - إذا كان عندهم حروف نغمات لا ينطق بها، أو مركبات حرفية تؤدي نغمات خاصة، فإن لها أيضا قواعد كلية معينة، متى عرفها الطفل - أو غير الطفل - استحال عليه أن ينطق على خلاف موجبها. والإنجليزية إذا كان فيها مركبات للنغمات، فمعظمها داخل تحت قاعدة كلية مثل
sh, ch . والمركبات التي لا ينطق بها، أو ينطق بها أحيانا بنغمة بعيدة عن جزءي المركب - مثل
gh
التي قد تهمل وقد ينطق بها فاء، ومثل
th
التي تؤدي حينا نغمة الثاء وحينا نغمة الذال - هي في الأغلب محصورة، سهل على ابن اللغة أو متعلمها حفظها وتذكرها. ومثلها حروف الحركات، وما توجهه حروف النغمة الجوهرية من التوجيهات المختلفة.
12 (5) إذا كان هذا هو الواقع - وأنت يا سيدي تعرفه بلا ريب - فأظن أن من لوازمه أن تسلم معي بأننا في رسم لغتنا مظلومون ظلما مبينا؛ لأن في العربية (80000) ثمانين ألف أصل - كما يقولون - كلها حروف نغمات جوهرية خالية عما يوجهها من حروف للحركات. وقابلة - هي وما قد يشتق منها - لمختلف التصحيفات. ومستحيل على أي متعلم منا - كما كررت هذا مرارا، وكما تعرفه أنت وغيرك - أن ينطق بها لأول وهلة على الوجه المراد أصلا لكاتبها الفصيح، مهما تكن رسوم حروفها مكتوبة بقلم الثلث العريض وواضحة كل الوضوح. بل كثيرا ما يستغلق عليه النطق بها على الوجه الصحيح، استغلاقا ميئسا لا رجاء فيه.
عن المسألة الثانية تقول:
أولا: «إن شكل الحروف العربية أبسط من شكل اللاتينية.» وتأتي بأشكال حروف النغمات المشتركة بين العربية واللاتينية فتجرى بينها مقارنة تريد الاستدلال بها على أن شكل العربية أبسط.
ثانيا:
تقول: «ولا تعجب من هذا؛ فليس مجرد اتفاق، إنما بساطة الصورة في الخط العربي أمر مقصود.» وتورد أن أهل الصناعة قالوا: «إن أصل جميع هذه الحروف الخط المستقيم الذي هو قطر الدائرة، والخط المقوس الذي هو بعض الدائرة ...» وتوضح أنت عبارتهم فتقول: «إنهم ابتدءوا بأبسط الأشكال الذي هو الخط المستقيم، ثم نوعوه بنسبة متناسبة متقاربة، فاستخرجوا منه ومن القوس كل الحروف بمقادير وصور قليلة.» ثم تروي عن القلقشندي أنه قال: «وفرقوا بين بعض الحروف بالنقطات وقصدوا بذلك تقليل الصور للاختصار؛ لأن ذلك أخف من أن يجعل لكل حرف صورة فتكثر الصور.» وأنه قال: «ترجع صور الحروف إلى خمس صورة؛ وهي: الألف والجيم والراء والنون والميم.»
ثالثا:
تقول: «إنه يظهر أنهم عنوا ببساطة الحروف فعمدوا إلى تخفيف الصور؛ لأن كثرة الصور داعية لتداخل الحروف، مما يؤدي إلى التعقيد، وهو ما وقع بالحروف اللاتينية التي تعقدت أشكالها وصورها، فاختلف بعضها عن بعض اختلافا بينا.»
رابعا:
تقول ما حاصله أن الإنسان عند القراءة يميز الألفاظ بصورها الكلية لا بأجزائها وحروفها، وتستدل لهذا بقول أحد العلماء الأوروبيين: «لقد علمنا من تحليل القراءة في آلة «التاشيستوسقوب» أننا في الواقع نعتمد في القراءة السريعة على إدراك صورة الكلمة في مجموعها.» ثم بقول عالمين آخرين يذكران هذا ويقولان: «إن عرض الحروف وارتفاعها لهما أهمية عظمى في معرفتها حين القراءة.» ثم ترتب على هذا ما حاصله أن صور الألفاظ المكتوبة بالعربية أوضح وأسهل في الإدراك؛ وذلك لكثرة ما يعلو من حروفها عن السطر وما يسفل، وأنها - بتعبير علمي (كذا) - تعطي لكل كلمة شخصية خاصة حتى تبدو شكلا لا شبيه له. ثم تضيف أن التجربة بين كتابتين من مقياس واحد في صحيفة واحدة، إحداهما باللاتينية والأخرى بالعربية، دالة على أن القارئ إذا ابتعد عنهما خفيت اللاتينية أولا، وبقيت العربية واضحة مشرقة.