Sténographie
هو
- كما قدمت - إقحام لموضوع على موضوع ولا استدلال لك فيه. أفهم أن تقول إن علينا أن نعدل رسمنا الحاضر ليكون مفهما محققا لصحة الأداء كما هو الواجب، ومتى كان لنا بعد هذا التعديل رسم مستوف، اتخذناه في مخطوطاتنا ومطبوعاتنا العادية، ثم عمدنا إلى الرسم الحاضر فاختزلناه أكثر مما هو واتخذناه هو لاختزالنا السريع. أفهم هذا، وقد أوافقك عليه إن استطعت أن تحققه، أما أن تستبقي رسمنا الحاضر المضلل وتحتج بما اخترع الإفرنج من الاختزال، فاسمح لي أن أقول إنه مجرد كلام عائم لا يخرجنا من الضيق الذي نحن فيه. وإذ أقول لك: «قد أوافقك عليه إن استطعت أن تحققه» فإني لست عليك ولا على الحق بمفتات. إن المجمع قد تواردت إليه اقتراحات كثيرة لتيسير الرسم العربي، أمثلها أحد عشر ترى صور نماذجها من بعد، وكلها رفضتها اللجنة المختصة، وغير باق تحت النظر سوى مشروع حضرة الجارم بك.
أما ما تراه من ضرورة تبسيط قواعد العربية فهذا موضوع قائم برأسه اشتغلت به وزارة المعارف المصرية وعينت له لجنة من كبار أساتذة العربية بمدارسها وبكلية الآداب بجامعة فؤاد. واشتغل به بعض أساتذة هذه الكلية وبعض المعلمين بمدارس الحكومة شغلا انفراديا. ولا زال موضوع عملهم قيد الفحص لدى اللجنة المختصة بالمجمع. ومن المأمول أن يتقرر فيه بعض الشيء ويعرض على المؤتمر في دورته المقبلة ليتصرف بما يراه. ولا أستطيع أن أبدي لك رأيي في الطريقة التي تريدها لتبسيط القواعد، فإن مسألة القواعد ليست كرسم الكتابة خارجة عن جوهر اللغة، بل هي مسألة دقيقة جدا لرجوعها إلى ما يتعلق بلب اللغة وجوهرها. وكل ما أستطيعه هو أن أعدك أني بعد انتهاء أشهر الصيف وعودة مجلس المجمع إلى الانعقاد، سأعمل على عرض فكرتك عليه منقولة بالحرف الواحد عن «المجلة». ومن الجائز كثيرا أن يحيلها المجلس على اللجنة المختصة المذكورة لبحثها مع غيرها مما هو محال عليها في هذا الشأن من الاقتراحات.
وإني يا سيدي لأشكر لك جزيل الشكر ما أظهرت من الغيرة على لغتنا العربية، وما حاججت بكل فطنة ورجولة ونزاهة واتزان.
الثالث والعشرون:
إلى حضرة الأستاذ يوسف العش:
شد الله في ميدان الأدب أزرك، وأكثر من أمثالك الغير على العربية، المنقبين في مراقدها لإيقاظها من غفوتها، ووقاك في عملك الزلل، وجنبك فيه العثار. تحية يعجلني إليها ما استفتحت به مقالك المنشور في مجلة «الثقافة» من تلك العبارة المنصفة التي تقنع مخالفيك باستقامة ضميرك، وتشعرهم الأمنة وعدم التثريب عليهم في محاجتك، مهما يفيضوا في التقرير والإيضاح.
أما بعد، فإنك في المشكلة القائم فيها الخلاف، قد استصرخت علي «العلم» و«الفن»، وأشرت إلى أنك لن تستنصر إلا بهما، ولن تعول في محاجتك إلا عليهما، حتى إذا ما قضيا علي كان قضاؤهما حاسما لا تعقيب لي ولا لغيري عليه.
إنك بهذا التحكيم قد أزعجتني حقا؛ فإني متى ذكر «العلم» ضممت إلي ما اتسع من ثيابي، وتكمشت وتراجعت أمام هذا اللفظ الرهيب، محسا كأني حصاة ملح تذوب؛ ذلك أني عالجت شيئا من العلم في منحي ليس هو مراد العلم الصحيح، بل هو شيء قريب من واديه. وكلما أوغلت ازددت يقينا بعجزي وإيمانا بقوله تعالى:
وما أوتيتم من العلم إلا قليلا
فأنا يا سيدي لا أخشى أحدا في هذا الوجود إلا العلم والعلماء، ولا أدين بعد عزة واجب الوجود إلا بعزة العلم والعلماء، ولا أنصاع وألقي سلاحي إلا أمام كلمة العلم والعلماء. إذا علمت هذه الحقيقة أدركت أني - عقب تلاوة عبارتك تلك - هلعت وظللت خائفا أترقب، وكدت أقضم الجزء الأول من مقالك قضما، وألتهمه التهاما. ثم انتظرت أسبوعا مشفقا قلقا حتى ظهر الثاني، وأسبوعا آخر على مثل الشوك حتى ظهر الثالث. بحثت ثلاثتها وفحصتها وفليتها، وأكلتها وشربتها؛ لعلي أشعر في شيء منها بأثر للعلم الذي أشرت إليه، في المشكلة القائم فيها الخلاف، فأستكين وأخضع صاغرا، ولكني مع الدهشة الشديدة، أو الاستفاقة الباسمة، لم أجد لهذا العلم في أيها أثرا، لا مرهفا قاطعا ولا مثلوما غير قاطع، فخرجت موقنا بأن حبك للعربية، وامتلاء عواطفك بجمال رسمها الحالي، وخوفك انقطاع الصلة بين حديثنا والقديم، كل تلك الطبائع المحمودة في ذاتها قد استجمعت لك على أشد ما تكون، فحرفت نظرك، فخلت قيام علم حيث لا علم. وأنا وغيري يصدق علينا دائما قولهم: «حبك الشيء ...»