تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن حسبت أن هذا التمثيل مبالغ فيه، مع أني أسوقه مدعوما بالدليل الذي لا يستطيع أحد له إنكارا، فإني - ابتغاء مرضاتك - أضع بين يديك تمثيلا آخر. إن الذهب والحديد والنحاس إذا كان لها وزن عند خروجها من مناجمها فليس لها جسم معين، والوزن وحده والجسم المبهم الأقطار لا يأبه لهما الإنسان؛ لأن الحجر والطين، من أي محجر أو مرقد، لهما أيضا وزنهما، ولهما أجسامهما المبهمة الأقطار. لكن تلك المعادن يكون منها، من الذهب الدينار والدملج والسوار والخاتم والخلخال، ومن النحاس أدوات الطهي ودقيق الأنابيب، ومن الحديد آلات الزراعة والمصانع والسيوف وأسنة الرماح. وأنت إذا أردت الحصول على شيء منها فإنك لا تقول للصائغ: أعطني رطل ذهب، ولا للنحاس: أعطني رطل نحاس، ولا للحداد: أعطني رطل حديد؛ لأنه يهزأ بما تقول. لكنك تحدد فتقول: دملجا ذهبا، أو إبريق نحاس، أو سيفا من الحديد الصلب، فأنت مضطر بطبيعة الأشياء إلى تحديد صورة المعدن الذي تريد. ولكنك في رسم العربية لا تحدد شيئا، إنك تعمد إلى منجمها، وهو الأبجدية، فتقتطع منها الوزنة التي تريد، وتتركها على القرطاس جسما هامدا منكر الأبعاد، هيولي بلا صورة. والصورة، كما رأيت في تلك المعادن، هي وحدها المميزة بين الأجسام، بل إن فعلك في العربية أشنع؛ لأن السيف إذا انفل فلن يزال له شبا يقطع الضريبة ويؤدي الغرض. أما رسم اللغة إذا اختل فقد ينقل المرء من العراق إلى اليابان، وهو يريد بلاد الأمريكان، بل قد ينقله من حضرموت إلى جهنم الحمراء من حيث لا يحتسب. أرأيت إذن أنا نسير في رسم لغتنا على نهج يرفضه العقل وترفضه طبيعة الأشياء، وكله مخاطر في مخاطر؟ إذن لا بد لنا من أن نستوفي صورته استيفاء مفصحا مبينا بأية طريقة من الطرق، على شرط ألا نزيد في وطأة عاهته المستديمة التي وضعته أمه مصابا بها، بل نخفف من شدتها إن لم نستطع أن نشفيه منها تمام الشفاء، وإن لم يعجبك قولي فأؤكد لك أنه يعجبني أنا، ولا حجة علي في نفارك، لك دينك ولي دين.

لست أنكر أن المتعلمين - بل أنصاف المتعلمين، بل أرباع المتعلمين - يقرءون الآن الجرائد والروايات، ويفهمون ما فيها. ولكني أنكر أنهم يقرءونها باللسان الذي خلقه الله للنطق والإفصاح. إنهم إنما يقرءون بحاسة البصر دون اللسان، إنهم تعودوا أن الصورة الفلانية تدل على المعنى الفلاني، فهم ينظرون في الصحيفة فيفهمون دلالات الصور التي اعتادوها، لكن إذا اضطروا لسبب من الأسباب إلى أن يعملوا اللسان، نطقوا بهذه الصور كما ينطقون بها في لهجتهم العامية المفسدة لحركات حروف الكلمات والخالية عن حركات الإعراب؛ لأن تلك الصور مجردة عما يرشد إلى شيء من تلك الحركات. وهذا الوضع الناشئ عن قصور رسم الكتابة لا يقدم الفصحى قيد شعرة، بل هو يؤخرها درجات. ومن لوازمه أن تبقى الفصحى أبد الأبيد منكرة المعالم، مختلة الأوضاع في لفظ اللسان. وهو شذوذ لا نظير له عند أكثر من عدانا من خلق الله.

أفهم أن ترتأي جعل رسمنا الحاضر لقراءة العوام، وأن تعدله لقراءة الخواص، فيكون قولك منطقيا يدعمه أن نقل لغة العوام إلى لغة الخواص جد عسير. ولكن الذي لا أفهمه أن ترتأي تعميم الفصحى مع استبقاء الرسم الحالي الذي لا يتفق إلا مع لهجة العوام.

أما ما أشرت إليه من أن الإفرنج اخترعوا الكتابة الاختزالية توفيرا لوقتهم الثمين، وانتزاعك من هذا الإجراء دليلا لاستبقاء رسمنا العربي على ما هو عليه، فإن هذا من جانبك إقحام لموضوع على موضوع.

إن العقل الإنساني اليوم في طور من أطوار التنبه والاستيقاظ، تكثر فيه دور العلم ومخترعات العلم والمحاضرات التي تنشر العلم، كما تكثر فيه الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من مستلزمات الحضارة. وهذا من لوازمه تطلع الناس إلى أخبار كل تلك البيئات، فهم يتلهفون على معرفة ما يقال في المجالس النيابية أو في المحاضرات العلمية وغير العلمية. وبريد الأخبار الصحف، فهي تتبارى في هذا المضمار، كل صحيفة تحاول سبق غيرها في نشر مهم الأخبار، وفي أن يكون النشر كاملا، يحفزها إلى المحاولة أن حظها من ميل القراء ومن مالهم إنما يكون بمقدار سبقها إلى النشر وإلى توخي الكمال فيه. فإذا شهد محررو الصحف جلسة من مجلس العموم البريطاني أو من مجلس النواب الفرنسي مثلا، كان أسرعهم يدا في الكتابة هو الذي تفوز صحيفته بالسبق إلى النشر المستتبع للربح المادي وذيوع الصيت. لكن المحرر مهما يكن سريع حركات الأصابع فإنه لا يستطيع أن يكتب كل ما يقول الخطيب. وإذا كانت المجالس لا تخرج مضابط جلساتها إلا مستوفاة أو قريبة من الاستيفاء، فليس موظف واحد هو الذي يكتب، بل ثلة من الموظفين يتضافرون على كتابة كل خطبة أثناء إلقائها، وما يفوت البعض يكون في الأغلب لم يفت البعض الآخر. ثم هم من بعد يراجعون ويضاهئون فتتكامل لهم الخطب كما قيلت أو تكاد. وهذا هو الجاري عندنا الآن بمصر، لكن الصحف لا تستطيع أن ترسل عدة من المحررين لحضور كل مجلس أو لشهود كل محاضرة هامة في أحد النوادي أو في إحدى الجمعيات. فمست الضرورة إلى إيجاد وسيلة يختصر بها رسم الكتابة، حتى يستطيع المحرر الواحد متابعة الخطيب وضبط عباراته، فبحث الباحثون فاخترعوا الكتابة الاختزالية، فاستعملها محررو الصحف، بل موظفو المجالس النيابية أيضا، هي مجرد إشارات بسيطة تدل على كلمات أو مقاطع كلمات. والظاهر - كما تقول - أنه لا يمكن إتقانها ولا الركون إليها. والواقع المعلوم أيضا أنها لا تعرض على الجماهير، ويستحيل أن يلزم بها الجماهير. إنها شبه مفكرة وقتية، حياتها ساعة من نهار أو من ليل. لا تعيش إلا ريثما ينقلها المحرر لصحيفته أو الموظف إلى مضبطته بالرسم المعتاد ثم تطوى أو تمزق. والرسم المعتاد عندهم هو رسم لغتهم مستوفيا أصوله المقررة لديهم. ولم يحدث إلى الآن أن أمة من تلك الأمم المتحضرة عدلت عن رسمها المعتاد واتخذت رموز الاختزال لرسم كتابتها، بل كل صحفها وكتبها ومخطوطاتها هي برسمها ذلك المعتاد. فأنت يا سيدي إذ ترى لنا الاحتفاظ برسمنا الاختزالي لمجرد أن الإفرنج اخترعوا الاختزال، لا تراعي في رأيك هذا تماثل الأوضاع، إنك تسقط من حسابك أن لهم رسما معتادا مستوفيا مفهما، وأنهم لا زالوا ثابتين عليه. أما نحن فمحرومون من هذا الرسم المفهم. وتحذف من حسابك أن اختزالهم وضع استثنائي لا يتناوله إلا نزر يسير من مخبري الصحف وأمثالهم، وأنه وضع مؤقت قصير العمر يموت بطبعه بمجرد نقله إلى الرسم المفهوم المعتاد، ولا شأن له ألبتة بالجماهير؛ فاستدلالك في مقالك القيم بحكاية الاختزال

الحروف اللاتينية لكتابة العربية · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحروف اللاتينية لكتابة العربيةص ٤٠