إي وربي، إنه ليلوح لي أنك لولا تحكم تلك الطبائع الجميلة فيك لقررت بكل بساطة أن الكلام ما دام في رسم الكتابة وضرورة تصوير نغمات الألفاظ واتجاهاتها - على ما ينطق به أهلها - تصويرا دقيقا، يستعان فيه إما بإشارات «الشكل» المعروفة أو غيرها، وإما بحروف للحركات، لاتينية أو غير لاتينية، فإن العلم لا دخل له في شيء من هذا، بل إن جرجرته إلى مثل هذا الميدان تنزله من عرشه وتسقط هيبته.
أنت وأنا نذهب إلى السوق لنشتري سريرا لطفل، أو كرسيا لمريض كسيح، أو ثوبا لرجل أو لسيدة، فلو أنا - في أي ما أردنا من هذا - توقفنا حتى يقول العلم والعلماء، لضاقت علينا الأرض بما رحبت، ولكفرنا بالعلم والعلماء. إنما نحن في كل هذا نعتمد على البديهيات الحاصلة لنا بغريزتنا الإنسانية، وبما تكيفت وتربت به ملكة الحكم عندنا من المشاهدات والمقارنات. فنحن لا نتخير للطفل إلا سريرا صغيرا يكون على قدر مدته، ويستحيل علينا - عادة - أن نختار له شيئا من أسرة الكبار. والكرسي ما دام لكسيح فإننا لا نختاره إلا مما يجري على عجلات، ويكون مناسبا لقد المريض وقعدته وضجعته، موفيا براحة جسمه. والثوب لا نتخيره إلا مما اعتاد الرجال لبسه إن كان لرجل، وإلا فمما اعتادته النساء. وكل هذه أمور لا شأن للعلم بها، بل هي من الضروريات المسلمات.
لست أعارضك ألبتة في أن «للفن» دخلا في هذه الأشياء؛ فإنها جميعا تتفاضل بجودة صنعها وعدم جودته، وجودة الصنع ورداءته من متعلقات «الفن»، وعلى حسبهما تغلو تلك الأشياء أو ترخص عند التقويم. أما «العلم» فميدانه ميدان آخر، إنه ينقب عن المجهول من الحقائق فيكشفه ويضع له ما يصل إليه من القوانين الكلية المجردة. ومشكلتنا إن رجعت إلى شيء فلا ترجع إلا لمجرد الفن التنفيذي. والفن إن لم يرض السمع والبصر وباقي الجوارح، وميول النفس وفضيلة الإتقان ويلائمها، كان فنا رديئا.
على أني، مع احترامي لشخصك وتقديري لعملك ولكمال إخلاصك فيه، مناقش عباراتك في ذلك الجزء الأول، كما سأناقش أقوالك فيما بعده.
إنك بعد أن استرهبتني بتحكيم دلائل العلم، بدأت الكلام في الموضوع، فحصرته إجمالا في أربع مسائل؛ الأولى: النظر في الحروف اللاتينية هل هي صالحة كل الصلاح؟ والثانية: إن لم تكن كذلك، فهل هي أصلح من الحروف العربية؟ والثالثة:
إنه لا بد من النظر فيها (أي العربية) هل تصلح بطرائقها لتأدية الحركات؟ والرابعة: هل في الإمكان درء نقص الحركات دون الالتجاء إلى الحروف اللاتينية؟
فعن المسألة الأولى تفضلت فقلت:
أولا:
إننا، نحن الشرقيين المفرطين في الإعجاب بوسائل الغرب، إذا نظرنا في صلاح الحروف اللاتينية بذاتها وبأصلها، فقد يخيل إلينا أن هذا الصلاح أمر لا يقبل الجدل.
وثانيا:
لكن الحروف اللاتيني يأبى إلا أن يقر بضعفه. وهنا أوردت تأييدا لنظرك أقوالا لبعض الاختصاصيين من الأوروبيين ينعون فيها عوار حروفهم لتعقد أشكالها وعدم وضوحها وصعوبة قراءتها، ويقولون: «إن الساعة أزفت لقطع الصلة فيها مع الماضي.» ثم استدركت على هذا بقول لأحد هؤلاء الاختصاصيين يهيب بقومه «أن لا يغرقوا في الاعتراض على خطهم اللاتيني، وفي طلب الابتعاد عنه.»
وثالثا:
إن تلك الحروف لو كانت - مع تعقد شكلها وإتعابها النظر - تؤدي الأصوات كما يجب أن تؤدى، فتعوض بحسن التأدية ما تضيعه برداءة شكلها، لهان. ولكنه ليس من الصحيح أنها تقوم بهذا الغرض كما يظن، بل إن أهلها عابوا قصورها في هذا الصدد أيضا، وحاولوا أن يستبدلوا بها حروفا أخرى، فتشعبت بهم المسالك، ولم يستقر رأيهم على شيء.
ذلك حاصل ما أوردت في المسألة الأولى. وإليك ردي أجريته على ترتيب قولك فقرة فقرة:
أولا: (1) ما أظنك جادا حق الجد في حكمك على الشرقيين بإفراطهم في الإعجاب بوسائل الغرب، ذلك الحكم العام المطلق الذي لا مثنوية فيه. ولعل هذه الفكرة نتيجة استقراء لأحوال أناس تعرفهم أنت يا سيدي، ولكنه استقراء ناقص. وأنت - كما توسمته فيك - من خير من يعرفون أن التعميم لا يجوز إلا بعد الاستقراء التام. أما الناقص فحرام على فاعله التعميم، إنك لو قرأت للأستاذ محمد أديب العامري العماني مقاله «تطور الأساليب الفكرية»، المنشورة في «الثقافة» بالصحائف السابقة مباشرة للجزء الأول من اعتراضك المجود، لكنت من سابق تحصيلك وواسع إحاطتك على ذكر، ولوافقتني فيما أقول. (2) على أني لست أتعرض لحكمك هذا إلا تذكيرا بمقررات العلم الذي تجهد أنت - بحق - في إكباره واللجوء في الشدة إليه. أما فيما يتعلق بشخصي فإنه حكم لا يمسني في كثير ولا قليل؛ لأن خطئي وحده - لا خطأ الناس - هو الذي يحيق بي أثره وتلزمني مغبته، وفوق هذا فقد جاملتني بما أوردت في صدر بيانك من أن المساجلة فيما نحن فيه إنما «هي نضال شريف» يسعى فيه كل فريق لتحقيق الخير لأهل العربية. فهذه المجاملة - التي لا أشك في أنك تقصد معنى عبارتها على وجه الحقيقة التي لا مجاز فيها ولا منفذ للتأويل، والتي شكرتك وأكرر لك الشكر عليها - تخرجني من هذا الحكم الذي تسرعت فيه بالتعميم المسور بأمتن الأسوار، وتبيح لي الاقتناع بأنه ليس سوى «سبقة» من سبقات القلم الذي كثيرا ما يفجأ القلب بالشرود؛ لأنه شظية من حديد لا عقل لها. (3) على أنه إذا راقك أن تعرف دخيلة أمري كيما تستعين بها مستقبلا في استقراءاتك، فاعلم - وفقك الله وإياي - أني داخل في تعميمك، ولكن بقيد له من حديد، كريشتك الحديد، قيد مبهم أصم أكمه، لا يسمع ولا يبصر، ولا تستطيع أنت ولا غيرك له فكا، ولا لي من أزمته فكاكا. أو أني - على الأصح - خارج عن التعميم بهذا القيد المصمت المكباح، ذلك هو قيد العقل. فما يراه عقلي من مناحي الغرب حسنا فإني صائر إليه جهدي، ما دام لا يمس كرامتي وكرامة قومي. وما يراه منها قبيحا فإني أخسؤه عني ما وسعت طاقتي.