رابعا:
أن ميل أهل العربية بخصوصهم اتجه دائما نحو تكميل رسمهم الاختزالي بما تتمايز به الحروف، وبما يفصح عن حركاتها في الكلمات.
خامسا:
أن تكميل الرسم بما يضبط عبارات اللغة ويمكن من قراءتها على الوجه الصحيح المطابق لأوضاعها المقررة، يزيد التطلع إليه والمطالبة به كلما رقيت اللغة واعتز بها الناس في بيئة من البيئات. وأن هذه من الظواهر الاجتماعية التي لا تتخلف.
سادسا:
أن من أثر هذا التكميل توفير وقت القارئين، وإعانة المثقفين على أن يثبتوا بالعمل ما يتلقون من نظريات القواعد، وعلى حصولهم بالمرانة مع الزمن على سجية الفصحى، ثم تقريب العوام بقدر الإمكان من لهجة الخواص. وهذا أقصى ما نطمع جميعا فيه.
والنتيجة من كل هذا أن إصلاح رسمنا العربي القاصر وجعله وافيا ببيان حركات الحروف في الكلمات ليس في عصرنا الحاضر - عصر تنبهنا للعربية واعتزازنا بها - زخرفا ولا تقليدا اعتباطيا، بل هي ضرورة من الضرورات نحن مدفوعون إليها دفعا نفسانيا لا يقاوم ولا يصادر، ولا تستطيع أن تقف في سبيله أية عقبة من العقبات، ما دمنا جادين في حماية الفصحى لا هازلين.
يزيد في قوة هذه الضرورة، بل يجليها ويبرزها للعيان، أن العربية - على ما أعلم - وعلى ما أشرت إليه في مقالك القيم، هي بين لغات العالم أقوم لغة معربة. وأضيف إلى هذا أنها لغة دقيقة التصريف محكمته. ولازم هاتين الخصوصيتين ما تراه فيها من المرونة. قدم الفعل على الفاعل، أو الفاعل على الفعل، وأخر المفعول عنهما، أو قدمه عليهما. كل هذا تستطيعه في العربية ولا تستطيعه في غيرها؛ لأن المعول في العربية، لا على مكان اللفظ ومرتبته في الجملة، بل على حركات الإعراب، فهي وحدها التي تدلك على وظائف الألفاظ في الجمل. إنك في العربية تقول: «قام زيد - زيد قام - ضربت زيدا - زيدا ضربت.» وقل أن تقول مثله في لغة أخرى. كما أن حركات الحروف هي التي تبين لك صيغة اللفظ ومعناه، بل إن مجرد اختلاف حركة الحرف بعينه تقلب الفعل من متعد محتاج لمفعول إلى لازم مكتف بفاعله. إنك تقول: «ضرب - ضرب - مضرب - مضرب - ضارب - ضارب - ضربة - ضربة - دهش - دهش ... وهكذا.» ولكل من هذه الألفاظ المتماثلة الهياكل معناه الخاص، لا يميزه إلا الحركة. وأنت لو تصفحت أي كتاب من كتب نحو العربية لألفيت معظم ما به كلاما على المرفوعات والمنصوبات، وعلى نواصب المضارع وجوازمه، وعلى الجر وعوامله، وباقي ما به كلاما على المبنيات المحرومة من الحركة أو من تعددها. فالحركات قوام اللغة العربية وعماد أبنيتها، أو هي على التحقيق روح العربية، على حين أن نغمات الحروف ليست إلا جسمها، وكل جسم بلا روح فهو ميت. إن من الأوضاع المنكرة أن يعنى ناس بالجسم الميت الصامت دون الروح النابضة الناطقة، لكنا نحن نفعل هذا في لغتنا، نرسم جسمها الميت ونترك الحركات التي هي روحها مع قدرتنا على رسمها، نرسم جسمها وحده ونتركه جثة هامدة على قوارع الطرق يستنطقه المارة كيما يعرفوا هويته ويردوه إلى أهله، فلا ينطق؛ لأن الميت لا ينطق، فيحارون ويفرضون الفروض ويحزرون الأحازير حول مسقط رأسه. وإذ كان لا بد لهم أن ينتهوا حتى يخلو الطريق، فإنهم يقفون عند احتمال من الاحتمالات. هو نصراني فليسلم لقسس النصارى، أو هو مسلم فليدفن في مقابر المسلمين، أو لا مسلم ولا نصراني ولا يهودي، بل هو من أولاد الجان، وعندئذ يتركونه خائفين من إبليس ومن أولاده الشياطين. هكذا الشأن في لغتنا ورسمها، لا تقرأ كتابا من كتبها الأدبية إلا يصادفك فيه مرات قول مؤلفه أو شارحه: «إن كان هذا اللفظ بالكسرة، كان المعنى كذا، وإن كان بالفتحة كان المعنى كذا.» وإذا وجد المؤلف أن المعنى ركيك على كلا الفرضين، فر من الموضوع قائلا: «والله أعلم.» كما فر أولئك السابلة من جثث الشياطين.