تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنت في هذا المقام تخشى زيادة الضرر لو استكمل الرسم آلات الحركات، لكن اسمح لي أن أقول لعلك واهم. إن مؤلفي الكتب الأدبية ومديري الجرائد والمجلات في يومنا الحاضر هم في الصف الأول من مجيدي العربية. وكلما طال الزمن كانوا فيها أرقى وأكمل. هؤلاء الكملة هم الذين يطبعون للناس ما يقرؤه الناس، وهم لا يطبعون - كما نشاهد - إلا الصحيح عربية كل الصحيح. فأنت يا سيدي تخاف بلا موجب. إن من القواعد الحكيمة أن اليقين لا يزول بالشك. ومن اليقين أن وضع حروف أو علامات للحركات مفيد من وجهين؛ إبراز معاني الألفاظ في العبارات، وتعويد الناس صحة الأداء. هذا اليقين المفيد تريد أنت إزالته بما يحتمل وقوعه من الفساد اللغوي لو أن الكاتب كان غير ملم إلماما تاما باللغة وقواعدها. إن هذا من جانبك مجرد افتراض، وهو افتراض لا أسلم لك به تسليما مطلقا؛ لأنه إذا كان صحيحا في الذهن فهو لا يمكن - في الواقع - أن يصح على إطلاقه، ولا أن يدوم على إطلاقه. إنه إذا خرج من الذهن إلى ميدان الواقع أكل بعضه بعضا فتهافت. إن الجريدة إذا كثرت فيها الأغلاط لأي سبب كان، سقطت في نظر الناس وكسدت، فاضمحلت وماتت، ومثلها الكتاب. ويتأكد تهافتهما وموتهما إذا تيقن القراء أن أصحابهما هم من الدرجة الواطئة في علم العربية، على أن الحق في هذا الداء الذي تبني عليه افتراضك أنه داء لا شأن له بالكتاب. وعلاجه لا يصح أن يكون بإزالة اليقين الجوهري المفيد، بل يكون بالبحث عن علته والقضاء عليها. وأنت إذا بحثت تأكد لك أن واضعي الكتب ومحرري الجرائد ليسوا هم الذين يخطئون في الأوضاع العربية كما تفترض، إنما المخطئون هم عمال المطابع صفافو الحروف. سل صاحب المجلة التي نشرت ردك يقل لك إنه يصحح التجربة (البروفة) الأولى، ثم يعود فيصحح الثانية، ثم يعود فيصحح الثالثة، حتى ينفد صبره ويحل ميعاد إخراج الصحيفة فيخرجها آسفا على ما أبقاه الصفافون فيها من الأغلاط.

على أني يعز علي أن تمر المسألة من غير أن أقول كلمة لإنصاف الصفافين، وهي كلمة سبق لي الجهر مرارا بها، إنهم عمال معذورون، يجهد العامل منهم أضعاف أضعاف ما يجهد زميله في البيئات الأجنبية. ولا ينال من الرزق إلا دون الدون. للحرف الواحد عنده هياكل أربعة، وله هيكل واحد عند ذلك الزميل، فرأسه تدوخ من كثرة التلفت لصناديق الحروف، والدائخ عرضة للأخطاء حتى ولو كان بالغا في فقه اللغة درجة المحررين. فما تراه في الصحف أو الكتب من الأغلاط، وما تراه في كتبنا جميعها من الصحائف المتعددة التي توضع بعد الطبع لتصحيح ما سرى فيها من الأخطاء، كل ذلك سببه لا المحررون بل الصفافون المعذورون. والعلة الأولى لخطأ الصفافين هي تلك العاهة المستديمة الملازمة للرسم العربي، والتي تشتد عقابيلها إذا أضيف إليها شيء من «الشكلات»؛ لأن صناديق الرموز تزداد، والدوار يزداد، والأخطاء تزداد. وهذه الحقيقة هي من جملة الدوافع التي دفعتني لاقتراح الحروف اللاتينية لرسم العربية. وأنا يا سيدي إذا كنت أعيد تقريرها الآن فلمجرد إنصاف الصفافين، بعد أن برأت المحررين، ثم للتبصير بحرج المركز الذي نحن فيه، لعل لكم بالعراق رأيا يخرجنا جميعا من هذا السوء.

إلى هنا أظنني بينت:

أولا:

أن طبائع الأشياء ذاتها قاضية في رسم اللغة أن تكون صورته كاملة مستوفية كل ما يدل على نغمات الألفاظ وعلى حركات هذه النغمات، وإلا كانت صورة بتراء تؤدي إلى كثير من الشرور.

ثانيا:

أن ميول الإنسان متجهة في رسم اللغات إلى الإفصاح والبيان، كما تدل على هذا حوادث التاريخ.

ثالثا:

أن جميع أمم الحضارة تعد اختراع اليونان لحروف الحركات تقدما عظيما، وكلها تستعملها إلى الآن بعد أن نقلتها فيما نقلتها عنهم من الحروف.

الحروف اللاتينية لكتابة العربية · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحروف اللاتينية لكتابة العربيةص ٣٨