تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذ كان كبار الاختصاصيين المشرفين على تعليم العربية بمدارس الحكومة المصرية قد نعوا مر النعي على طريقة «الشكل»، وأكدوا عدم فائدتها في هذا الغرض ؛ مستندين إلى مشاهداتهم واختباراتهم للطلبة بمراتب التعليم المختلفة، وإلى الواقع المحسوس الذي يدركه كل إنسان من كلفة هذا «الشكل» ومن سوء أثره، ومن إهماله فعلا في المخطوطات جميعا، وفي شتى المطبوعات - إلا ما ندر - إذ كان هذا فقد تشخص حرج الحال للعيان، وأصبح من الضروري للنطق باللغة على وجهها المقصود، أن ينظر في طريقة أخرى غير الشكل لتعيين حركات الحروف في الكلمات.

اقترح غيري ما اقترح، واقترحت أنا اتخاذ الحروف اللاتينية لرسم العربية. واعترض علي معترضون كثيرون، أهم ما في اعتراضاتهم أمران يستوقفان النظر حقيقة هما: الخصوصية الاختزالية في الرسم العربي العاري عن الشكل، وآفة القطع بين حديثنا والقديم في الرسم اللاتيني. وهما أمران أثرتهما - أو على التحقيق استثرتهما - في اقتراحي، وقلت فيهما ما قلت، صحيحا مقنعا كان قولي أو غير صحيح ولا مقنع.

وإذ كان كلا الأمرين ماديا يدركه بحاسة البصر كل مطلع بلا حاجة في تصور ماهيته لشيء من الأقوال الشارحة ولا من الأقيسة المنطقية؛ إذ كان هذا فقد امتلأت بهما الاعتراضات. لكن ماذا عسى أن يقول المعترضون؟ إن اقتصروا على إثارة ذينك الأمرين من دون أن يقدموا بين أيدي اعتراضاتهم أسبابا طريفة تدعمها دعما ينصاع له العقل، كانت اعتراضاتهم كابية أو بائخة، ما داموا هم لا يرددون إلا اعتراضي على نفسي، وما دام موضوع الاعتراض ماديا يستوي في إدراكه والإدلاء به العالم والجاهل، وهم لا يحبون أن يظهروا في الناس مظهر البائخين، أيسكتون إذن؟ كلا، إنها فرصة للكلام إذا فاتت فقد لا تعود. إذن فليطيعوا أمر أحلامهم وليتكلموا، ولكن لا بما يهوى الجد والرجولة، بل بما تهوى أنفسهم، وأنفسهم صغيرة تطمح لا للإفادة والاستفادة، بل للتعالي الرخيص. وهم لا مادة عندهم حتى ولا للتعالي الرخيص، فليمضوا إذن في التعالي الخسيس؛ التطاول من قصر. وهكذا مضى كل المعترضين إلا قليلا ممن عصم الله. عمد بعضهم إلى الدين فتكلموا باسمه، كأنما وكل الله إليهم أمر عباده. ورأى بعضهم خير طريق يرفعهم إلى ذروة المجد هو اصطناع الكلام الغليظ، معتمدين على أن العوام كثيرا ما يفيضون على الشغابين صفة الفتوة المبيحة للافتخار، والحقيقة في نظرهم بالتجلة والإكبار. وفات المساكين أن هذه المرقاة لا ترفع ذواتهم إلا لتنقلب فتهوي بهم في مكان سحيق.

وبينا أنا أفكر فيما انتاب بعض الناس من التحلل الخلقي إذا بأحد موظفي المجمع يناولني عددا صادرا في 7 آيار سنة 1944 من صحيفة اسمها «المجلة» تصدر في بغداد. قرأت فيها أن صاحبها استفتى قومه في شأن ما ينبغي اتخاذه من أنواع الحروف لرسم العربية. ثم دون ردا أتى إليه من «معالي السيد كامل الجادرجي». قرأت هذا الرد فألفيت واضعه يعترض اعتراضا شديدا على ما اقترحته من اتخاذ الحروف اللاتينية لرسم العربية. وعلى الرغم من هذا قد وقع في نفسي لهذا المعترض من التقدير والاحترام ما لم يقع قبل لمعترض ولا لموافق؛ ذلك أني لمست في كل سطر من أسطر اعتراضه دليل الفطنة وسعة الاطلاع، وعلى الأخص سيما الكيس وكمال الرجولة.

هذا الرجل المتزن يقوم مقاله على الفكرات الآتية: (1)

إن

خصوصية الرسم العربي أنه اختزالي، ومن مصلحة أهل العربية الاحتفاظ به؛ لأن العالم الذي يسير في أموره الآن بما يشبه سرعة الكهرباء محتاج في تثبيت أفكاره إلى أخصر رسم وأوجزه؛ ولذلك اخترع الكتابة الاختزالية، ولكن رسومها مبهمة معقدة صعبة التعليم والتحصيل والتفسير، في حين أن رسمنا العربي الاختزالي بوضعه، والقابل لزيادة اختزاله عما هو عليه، هو رسم واضح المعالم، يستطيع ممارس العربية قراءة ما هو مكتوب به من زيادة عن ألف سنة إلى اليوم. (2)

الحروف اللاتينية لكتابة العربية · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحروف اللاتينية لكتابة العربيةص ٣٢