تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن رسمنا العربي إذا كان لا يقبل وضع حروف أو إشارات للحركات ملتصقة بهيكل الكلمات، فإن ضرر ذلك منحصر في خفاء حركة الحروف وحركة الإعراب على القارئ. وهذا ضرر يساويه - بل يربي عليه - ضرر ضبط الحركات بإشاراتها أو بأحرفها، وخصوصا بالرسم اللاتيني؛ لأن هذا الضبط يستدعي أن يكون الكاتب ملما إلماما تاما بالفصحى حتى لا يخطئ في الكتابة فيشوش أوضاع اللغة، ويسري هذا الخطأ والتشويش من بعد إلى القارئين. (3)

إن الأولى في العلاج - والحال ما ذكر - إنما هو النظر في تيسير قواعد نحو اللغة وصرفها لتهوين أمرها على الناس. وهو يقرر في وضوح وجلاء أن تلك القواعد أصبحت وزرا وحملا ثقيلا على الأجيال الحاضرة، بل على ممارسيها الاختصاصيين أنفسهم. ثم هو لا يقف عند مجرد القول، بل يذكر أمثلة مما يرى إمكان ورود الإصلاح عليه؛ يذكر أن لا لزوم للتذكير والتأنيث في ألفاظ العدد، ولا لزوم لجر الممنوع من الصرف بالفتحة، ولا لنصب جمع المؤنث السالم بالكسرة، ولا لعدم إعمال حرف الجر في المبني من الظروف، وأن توحد حركة عين المضارع في جميع الأحوال.

8

ويرى أن لا محل، عندما يكون الفعل مؤخرا عن الفاعل؛ لأن تكون الجملة مركبة من مبتدأ وجملة هي الخبر، بل يكون التركيب جملة واحدة مركبة من فعل وفاعل أو مسند إليه ومسند. وهو لا يستبد برأيه، بل يكل الأمر في ذلك جميعه للمختصين، على أنه غير متردد في الاعتراف بأن مثل هذا التيسير يفقد الناس سجية حاصلة لهم الآن في التلفظ بالكلام العربي. ولكنه يقول إن السجية عادة وإلف، وإن الزمن كفيل بطبع الناس على مثل ما يرى من هذه الوجوه الإصلاحية التي يقول إنها تسهل اللغة من غير مس بجوهرها. (4)

لا نغير رسم كتابتنا إلا إذا أجمعت أمم العالم على رسم واحد لكتابة كل اللغات، فعندها يكون لا محيص لنا عن متابعتها.

كل ذلك يورده صاحب المقال في عبارات مفصلة سهلة متزنة يأخذ بعضها في الاتساق بيد البعض، لا تشم فيها رائحة الشغب ولا نية الاستعلاء الكاذب ولا الاتجاه لتطاول القصار، بل تتنسم منها إرادة الإصلاح ليس غير، وتتحقق فيها الرجولة التي تدفعك إلى إكبار الواضع.

والآن هل يسمح لي هذا الرجل النزيه التفكير أن أفضي بملاحظاتي على ما خط من قيم البيان؟ إن سمح قلت له في إخلاص يمازجه الاحترام:

يا سيدي العزيز! إن فكرة اختزال الرسم العربي وضرورة عدم مسه، وفكرة السعي لعلاج العربية من طريق واحدة هي طريق تبسيط قواعدها، هاتين الفكرتين اللتين يقوم عليهما بيانك الشائق قد سبق أن أثارهما قومنا - كما أسلفت - ورددت عليهما بالمقدار الذي يستأهله كلام مثيريهما. وصببت ردي - في الأغلب - على مسألة الرسم وحدها دون مسألة تبسيط القواعد؛ لأن مسألة الرسم هي الجاري فيها الكلام الآن، وهي التي قدمت بشأنها اقتراحي الخاص بالحروف اللاتينية. أما مسألة تبسيط القواعد فأنا وغيري متفقون عليها، ولم يقم في أصل مبدئها أي خلاف، بل الخلاف هو في كيفية هذا التبسيط، وعلى أي وجه يكون.

وإنه مهما يكن الدليل الأقوى الذي تمسكت به في ردودي بشأن تيسير الرسم العربي هو إجماع رجالنا الرسميين وغير الرسميين على وجوب تيسيره، وتكليف مجمعنا اللغوي به في اللائحة التي يجري عليها في أعماله، مهما يكن من قيام هذا الدليل على وجوب تيسير رسم الكتابة، ومهما يكن له من قوة، فإني - تلقاء بيانك المتزن - أصرف النظر عنه، وأفرض عدم قيامه فعلا، وأنظر للمسألة على اعتبار أنها وليدة اليوم. فماذا أرى في بيانك؟

أراك تقرر أن رسمنا اختزالي لا يحتمل وضع حروف الحركات ولا إشارات الحركات في غضون هياكله. ثم تنصح باستبقائه كما هو، وعدم محاولة وضع شيء من تلك الحروف والإشارات في غضونه، لا تاليا للحروف متصلا بها ولا خارجا منفصلا عنها؛ لأن هذا يخل بخاصته الاختزالية، ومنفعة هذه الخاصة - في نظرك - أكثر من إثم التصحيف، بل تذهب إلى أن الحرج يزداد باتخاذ تلك الحروف والحركات.

الحروف اللاتينية لكتابة العربية · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحروف اللاتينية لكتابة العربيةص ٣٣