على أن حضرة المحاضر في هذا المقام قد خرج أيضا - فيما يختص بالأتراك - عن الموضوع الاجتماعي إلى الميدان السياسي، فشكك في الدافع لهم على اتخاذ الحروف اللاتينية ما داموا هم - من قبل ذلك بسنين - كانوا قد استعملوا الحروف العربية اللينة وغيرها في بنية كلماتهم - حتى المستعارة من العربية - للدلالة على ما لها من الحركات. إن أقل ما كانت تجب مراعاته في هذا الصدد أن الترك أعلم بمصلحتهم من المحاضر ومني ومن غيرنا من الناس، وأنه ليس لأحد من غير رجال السياسة أن يتدخل في البواعث التي حملتهم على تغيير حروف كتابتهم، وأن قصارى مهمة رجال العلم إنما هي مجرد تسجيل الواقع وعدم التورط - تصريحا أو تلميحا - فيما قد يكون من البواعث السياسية الدافعة إلى التغيير.
أما القطعة الأخيرة من المحاضرة فهي في الموضوع حقيقة، ولكن واضعها لم يخترع فيها جديدا، بل هو يرى الأخذ بالمذهب الثاني؛ وهو استبقاء الحروف العربية كما هي، واستعمال الشكل على الطريقة الجارية الآن، ولكن لا كله، بل بالقدر اللازم منه لإزالة اللبس وتمكين القارئ من ضبط النطق الصحيح للكلمات. ومهما يكن هذا ترديدا لرأي سبق عرضه على المؤتمر، فإنه على كل حال كلام داخل في الموضوع وصالح كل الصلاحية لأن يكون محلا للتقدير. على أنه كان في وسع حضرة المحاضر أن يقتصر على التنويه بهذه الفكرة، وأن لا يتعب نفسه في حواش كثيرة خارجة عن الموضوع، وأن لا يعنيها بالاستشهاد بالمستشرقين وغير المستشرقين؛ فإن المسألة مسألة بحث مادي واقعي لا تفيد فيها الشهادات اللفظية ولا التخيلات الذهنية، بل كلامه هو وحده يغنيه ويغنينا عن مثل تلك الشهادات.
ومن أبلغ ما رأيته انطباقا على آداب البحث والمناظرة قول الأستاذ العظيم في الصفحة الأخيرة من بيانه الراقي: «إن كان منا من يرى تاريخنا عارا، وماضينا سبة، ويرى الخير في أن نقطع كل ما يصلنا بهذا التاريخ، ونستعير تاريخا أو نعيش بغير تاريخ، فله أن يدعو إلى نبذ خطنا فيما ننبذ من تراث الأعصار والأجيال.» الله حي!! نحن في جامعة فؤاد، وفي كلية الآداب، وفي معهد اللغات الشرقية، وفي غرفة رئيس المعهد، وأمام كرسيه العالي المنيف. أعلينا قوائمه ليفيض علينا نورا للعقول وتهذيبا للأخلاق. فهل هذا كل ما أقدره الله عليه؟! لعلها فلتة بدرت، ولعله مراجع نفسه فمحاسبها على ما كان. أما أنا فلا أحاسبه؛ لأنها فلتة تجل في نظري عن كل حساب، فلأفرض أني لم أقرأها ولأغط وجهها الدميم بالزفت والقطران، ثم لأستغفر له الله.
ومن أطرف ما يكون أن حضرة الأستاذ المحاضر اختتم مقاله الطويل بعبارة ينقلها مذعورا عن أديب شرقي يصفه بأنه مغرم بحب مصر، هي: «إن مصر لو همت باتخاذ الحروف اللاتينية لقاطعناها.» بخ بخ!
يا سيدي المحاضر، إني لا زلت - ولن أزال - أراك رجل علم، ورجل العلم لا ينظر إلا إلى الحق في ذاته، ولا يعير التفاتا إلى الفلتات الحماسيات الإيهاميات الكاذبات. إن الدونكيشوتية معنى قائم في الوجود، وسيستمر له عباد يتراءون عاكفين على محرابه حتى تقوم الساعة، فخفض عليك ولا تنذعر، ومص ليمونة من البنزهير، أو حط في بطنك بطيخة صيفية، والبطيخ كثير الآن في الأسواق! وإذا هالك غلاء الأسعار فإني مستعد أن أقدم لك البنزهير والبطيخ، وأنا ومصر المستفيدان؛ لأنها رشوة أقدمها لك حتى لا تنشر من عالي كرسيك بين شبابنا المثقفين مثل ما فهت به من تلك العبارات التهريجيات النابيات المحزنات.
الثاني والعشرون:
لاحظ
المفكرون أن العربية الفصحى أصبحت بالنسبة للأجيال الحاضرة حملا ثقيلا، لتشعب مفرداتها وتعقد قواعد نحوها وصرفها، ولسوء رسم كتابتها، وأجمعوا - في مصر على الأقل - على ضرورة تسهيل تلك القواعد وتيسير ذلك الرسم المضلل. ومن أهم ما اشتغل به المجمع اللغوي في دورته التي انتهت في فبراير الماضي مسألة الرسم. والمطلوب فيها أن يكون كل حرف في الكلمة مؤديا بذاته صورته الصوتية أداء صادقا؛ أي يكون التلفظ به المدلول عليه بذات رسمه مبرزا في آن واحد لنغمته، من جهة، ولاتجاه حركته من ضم وفتح وكسر، أو لسكونه أو تشديده أو تنوينه، من جهة أخرى؛ وذلك لتوحيد كيفية القراءة ولعصمة ألسن القارئين كبارا وصغارا، متعلمين أو أنصاف متعلمين، عربا أو عجما، من اللحن والأغلاط.