تعمدت الإسهاب في الرد مجاملة لحضرات المعترضين، وإلا فإنهم لو كانوا من أعضاء المجمع اللغوي لعرفوا أن اعتراضهم وردي هذا المسهب كلاهما عبث لا خير فيه. إن لائحة المجمع تجبهما؛ نصها صريح في أن عليه البحث في تيسير رسم الكتابة العربية. ووزير المعارف عهد إليه بهذه المهمة بقرار منه خاص، وهو مكلف نظاميا بتنفيذ قرارات الوزير. ومورد النص لا مساغ للاجتهاد فيه.
الحادي عشر:
يقولون كيف تستعمل
حروف الحركات، وهي في اللغات الأجنبية متعددة ومتعددة الاتجاهات في النطق، وبعضها - مع أنه هو هو - قد يحرك الحرف حركتين مختلفتين؟
ومن يقرأ في اقتراحي مسألة الحركات العربية والحروف الثلاثة المختارة لها (فقرة 41 إلى 43)، يجد أن هذا الاعتراض مستحيل وروده عليه.
الثاني عشر:
يقولون
إن في اللغات الأجنبية أفعالا شاذة، وفي رسمها حروفا صامتة لا ينطق بها. فالإنجليزية - مثلا - فيها جملة من تلك الأفعال الشاذة، وفي كثير من كلماتها حروف مثل
gh
لا ينطق بها، ولم يتأذ الإنجليز برسم لغتهم ولا بما فيها من الشذوذ في تصريف الأفعال.
وهذا كلام لا يصح بحال أن يقال، فإن الأفعال الشاذة في الإنجليزية والكلمات التي فيها حروف لا ينطق بها مثل
gh
في كلمة
night
وما أشبهها، أو ينطق بها
كنغمة
f
كما في
كلمة
rough
وغيرها، إذا أحصيتها جميعا وجدتها قد لا تتجاوز أربعمائة فعل وكلمة، أو خمسمائة مع المبالغة في التقدير. وكل الطلبة المصريين - دع أهلها الإنجليز - يعرفونها ولا يخطئون في نطق رسمها. لكن تعالى إلى العربية، إن فيها كما يقولون نحو (80000) ثمانين ألف أصل، بخلاف المشتق مما يمكن منه الاشتقاق، فإذا جعلنا لكل من هذه الأصول خمسة مشتقات في المتوسطة أو أربعة أو حتى ثلاثة فقط، لحصل عندنا (240000) مائتان وأربعون ألف كلمة، كلها مركبة من أصوات جوهرية لا تعرف حركات حروفها بذات رسمها. ولشتان ما بين خمسمائة كلمة في الإنجليزية وبين هذه الآلاف المؤلفة في العربية! فأية قيمة إذن لمثل هذا الاعتراض؟
الثالث عشر:
يقولون إن الكتابة
العربية اختزالية فهي اقتصادية؛ إذ الصحيفة الواحدة منها إذا كتبت بالحروف اللاتينية ملأت كلماتها صفحتين أو ثلاثا، بل قد سمعت نقلا عن أحد كبار الأذكياء أنه قال: إن بعض الفرنسيين حاول الانتفاع بمثل هذه الميزة الاختزالية، فوجد أن عبارة
Hélène a eu des bébés (هيلانة رزقت أطفالا) يمكن كتابتها هكذا:
hlnaudbb .
فأما فكرة الاختزال والاقتصاد فمردود عليها في بياني (فقرة 23). وأما عبارة «هيلانة» فمن الأحاجي التي كثيرا ما ينشر مثلها في الصحف الإفرنجية لتسلية الناس. ولا شك عندي أن حاكيها أراد بها الإشارة إلى أن رسم لغتنا كرسم تلك الأحاجي المعميات، وهو في إشارته من الصادقين. ويخيل إلي أنه من الحذاق المتصونين الذين يربئون بأنفسهم عن زيادة التصريح وما تسحبه زيادة التصريح على صاحبها من ألسنة حداد. لكنا نحن عن إشارته ساهون.
الرابع عشر:
يقولون إن الفتحة
كثيرة في الألفاظ العربية، وإن حروف المد، الواو والألف والياء، يجذب الحرف منها ما قبله فيحركه بحركة تناسبه ، فلا يبقى من بعد في الكلمات سوى الضم والكسر والتشديد والتنوين والسكون، وإن أقل الأقدار من الشكلات يكفي للدلالة على هذا متى خيف اللبس. بل إن للعربية في تصاريفها صيغا قياسية معروفة اعتادها الناس، فهم ينطقون بها نطقا صحيحا مشكولة كانت أو غير مشكولة. ثم يقولون بناء على هذا كله إنه لا لزوم لا لإيصال الشكلات بالحروف، ولا لتغيير الحروف ذاتها بحروف لاتينية توضع في غضونها حروف الحركات.
لكن القائلين بهذا يسهون سهوا تاما عن أن هذه الطريقة لا تفيد البادئين في التعليم ولا أنصاف المتعلمين ولا الأجانب عن العربية، بل ولا المتعلمين تمام التعليم من أهل العربية أنفسهم. إنها تقتضي أن يكون القارئ عارفا من قبل بمفردات اللغة وبعلمي الصرف والنحو. ألم يقل الجارم بك: «إنك إن لم تكن لغويا نحويا صرفيا معا لعجزت عن أن تكون قارئا أو شبه قارئ»؟ أولم يقل: «إن الشاب المثقف يخطئ في قراءة المشكول خطأه في غير المشكول، وإنه يخطئ في قراءة القرآن مع كونه مشكولا على أدق ما يكون الشكل»؟ وإذن فهذا الاعتراض - أو بالأحرى هذا المذهب - غير موصل للغرض الذي نسعى إليه.