الخامس عشر:
وردني بالبريد
عدد من جريدة لم أتشرف من قبل بمعرفتها، لسبب بسيط خاص بي، هو أني غير مغرم بقراءة الجرائد، وبحسبي جريدة واحدة أقرأ فيها، لا كل الأخبار، بل بعض المفيد من الأخبار. ولسببين آخرين خاصين بها هي، أولهما أني لما فضضت غلافها قرأت أنها جريدة أسبوعية، ولكني وجدت تاريخها ربيع الآخر سنة 1363 بلا تعيين يوم من الشهر ولا أسبوع، فأدركت أنها من الجرائد التي تظهر مرة وتختفي أخرى بحسب التساهيل، وثانيهما ما قرأت فيها من أنها جريدة دينية إسلامية، وأنا مكتف بما يسر الله لي من ديني، وموقن بأن لا مزيد عليه عند كائن من كان من المسلمين. وهو سبب يصرفني عن إضاعة درهم واحد في شراء مثلها حتى لو كانت غير مغمورة بل كانت ذائعة بين المصريين وغير المصريين.
قرأت في تلك الجريدة مقالا أشار إليه مرسلها، فسررت سرورا بالغا لعثوري على إنسان يكتب العربية نقية سليمة من كل عيب، مهما يكن الاسم المجهول الموضوع في ذيل المقال دالا على الذات الكاتبة، أو يكن لفظا مستعارا من أحد المسخرين. وليس يرين على سروري ما رأيت في المقال من بعض العبارات النابية؛ لأني أعرف أن لكل كاتب نبوات قد يندم على فروطها. كما لا يقلل من سروري أن صاحب الجريدة - مع تفضله بإيصالها إلى منزلي - توهم أني لن أقرأ ذلك المقال، فكتب في الفهرس الذي على الغلاف ما يفيد أن المقال هو بحث في فوائد اقتراحي؛ إغراء لي بقراءته، كأنه في سهوه وتكليف نفسه مشقة الاحتيال يريد أن يعلمني ما أعلمه من أن الحيل الشرعية جائزة في عرف بعض المسلمين، وأنه لا مانع من أن يستعملها المسلم، وعلى الأخص متى كان صاحب صحيفة دينية تائها في حب الله، غارقا في بحر الحقيقة مع أهل الباطن من الأقطاب الموكلين بتدبير أمور الكون! أليس مثله يوحى إليه في غيبوبته أن من واجبه ديانة أن يحتال على الناس حتى يبلغهم أن الأخلاق الدينية شيء، وأنه وهو القطب الرباني المكلف بالتبليغ شيء آخر بعيد عنها بعد أهل النار من أهل الجنة؟ أوليس أنه يقذف في قلبه أن يقول للناس إن آية صدقه في هذه الرسالة واضحة للصغير والكبير، والأكمه والبصير، هي أن الأخلاق معنى والقطب الرسول مادة، وأنه شتان ما بين المعاني الذهنية وكتل الماديات المرئيات؟ ولا يقلل أيضا من سروري أنه يطعن في اقتراحي بكل ما وسعه، فيقول إنه سقط مستحيل التنفيذ؛ لأنه يضيع على الموجودين والمستقبلين الانتفاع بثقافة الماضين، ويزيد أعباء الطابعين، ويكلف من النفقات ما يخطئه عد العادين وحساب الحاسبين. ولا يقلل منه أنه يشيد بالرسم الحالي ويخلق من سخافته جلالا، بل يذهب إلى حد الدعوى بأنه سيتحقق فيه تنبؤ بعض المتكهنين من أنه سيكون خط كتابة كل العالمين، إلى ما يزعم وما يوهم به من هذا القبيل. بل ولا ينقص سروري أن تدينه نفخه فزين إليه أن يقول إني استلهمت بعض اقتراحي من فيض مكارمه النورانية، كأن للمغمور الذي يتجر بالدين فضلة علم أو أثارة فهم تسقط من بين أسنانه إلى أيدي اللاقطين. كل هذا لا يذهب بسروري من بلاغة المقال؛ لأني - من ناحية - فاهم أنه لو لم يطعن ولم يسهب ورسالته دينية، لأوهمته نفسه أو لتوهم قارئوه - إن كان له قارئ - أنه لم يؤدها على ما يرام. ولأني - من ناحية أخرى - رأيت أن له غرضا أساسيا يسعى إليه، هو تسويء كل القوانين الوضعية القائمة الآن في البلاد، والرجوع إلى ما بناه الفقهاء الأكرمون من صرح الشريعة الغراء. وهو غرض مهم في ذاته، ومن شأنه أن يدفع إلى الإشادة بما ترك الإمام الليث بن سعد وباقي السلف الصالح من الآثار، كما يدفع إلى النعي على كل حادث يتوهم منه المساس بتلك المخلفات.
وأؤكد أيضا للقطب الرباني طابع المقال أن ما كتبوه له فدونه من أن «مثلي في قصور الأسباب التي عللت بها بعض نقط اقتراحي كمثل الزنجي يخرج من مجاهل إفريقية فيبدي رأيه فيما لا علم له به من شئون المتحضرين.»